متعلّق ببعض صلاحا وفسادا فصارت كشىء واحد .
فإن قلت : إن أراد بعمله الخير نفعا من اللّه تعالى ، ولا يريد من النّاس شيئا من مدحة أو سمعة أو منفعة أيكون ذلك رياء ؟ فاعلم أنّ ذلك محض الرّياء ، قال علماؤنا رحمهم اللّه : الاعتبار في الرّياء بالمراد ، لا بالّذى يريد منه ، فإن كان مرادك من عمل الخير نفعا دنيويّا فإنّه رياء ، سواء أردته من اللّه أو من النّاس ، قال اللّه تعالى :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )
وليس الاعتبار بلفظة الرّياء واشتقاقها من معنى الرّؤية ، وإنّما سمّيت هذه الإرادة الفاسدة بهذا الاسم لأنّها أكثر ما تقع ، وتكون من قبل النّاس ورؤيتهم ، فافهم .
شرح
( متعلق ببعض صلاحا وفسادا فصارت ) أي تلك الأعمال المذكورة ( كشىء واحد . فإن قلت إن أراد ) العبد ( بعمله الخير نفعا ) دنيويا ( من اللّه تعالى ولا يريد ) بعمله ( من الناس شيئا من مدحة ) بكسر الميم ( أو سمعة أو منفعة أيكون ذلك ) أي قصد النفع الدنيوي بعمل الخير ( رياء ) أم لا ؟ ( فاعلم ) هداك اللّه ( أن ذلك ) أي القصد المذكور ( محض الرياء ) أي خالصة ( قال علماؤنا رحمهم اللّه :
الاعتبار في الرياء بالمراد لا بالذي يريد ) العبد ( منه ، فإن كان مرادك من عمل الخير نفعا دنيويا فإنه رياء أردته ) أي النفع الدنيوي ( من اللّه ) تعالى ( أو ) أردته ( من الناس . قال اللّه تعالى من كان يريد ) بعمله للّه ( حرث الآخرة ) أي ثوابها شبهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل . الدنيا مزرعة الآخرة ، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه ( نزد له في حرثه ) ) أي بالتضعيف الواحدة إلى عشرة إلي ما يشاء اللّه من الزيادة وقيل أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات اليه ( ومن كان يريد حرث الدنيا ) يعنى يريد بعمله الدنيا مؤثرا لها على الآخرة ( نؤته منها ) أي ما قدر وقسم له من الدنيا ( وماله في الآخرة من نصيب ) من ثواب لأنه عمل لغير اللّه . روى عن أبي بن كعب رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب » ذكره في جامع الأصول ولم يعزه إلى أحد من الكتب الستة وأخرجه البغوي باسناده ( وليس الاعتبار بلفظة الرياء ) بالكسر ممدودا ( واشتقاقها معنى الرؤية ) وهي النظر بحاسة البصر ، وقد رأي الشخص رؤية ( وإنما سميت هذه الإرادة الفاسدة ) التي هي إرادة نفع الدنيا ( بهذا الاسم ) أي الرياء ( لأنها ) أي الإرادة الفاسدة ( أكثر ما تقع وتكون من قبل الناس ) أي جهتهم ( ورؤيتهم فافهم ) راشدا إن شاء اللّه تعالى :