فإن قلت : فما موضع الإخلاص ، وفي أىّ طاعة يقع ويجب ؟ فاعلم أنّ الأعمال عند بعض العلماء ثلاثة أقسام : قسم يقع فيه الإخلاصان
شرح
عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها فداعية الرياء من المهلكات وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وفقه ، وداعية الخير من المنجيات وإنما قوتها بالعمل على وفقها فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان ، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوى تلك الصفة ، وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب فقد قوى أيضا تلك الصفة ، وأحدهما مهلك والآخر منج ، فإذا كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره ثم تنال من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما فهذا معنى تقومهما ، وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر لا محالة ، فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية ولا ينفعك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده وفي تقريبه من اللّه أو إبعاده ، فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده شبرا فقد عاد إلى ما كان فلم يكن له ولا عليه ، فإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا واحدا فضل له لا محالة شبر ؛ وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « أتبع السيئة الحسنة تمحها » فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة ، ويشهد لهذا التفصيل إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه ، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس . وقال تعالى« لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ »وأنها نزلت لما تحرجوا من التجارة في الحج . نعم يمكن أن يقال إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة . ولكن الصواب أن يقال مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب . قال الصلاح العلائي في مقدمة الأربعين : وقد يقال إن الآية محمولة على ما إذا عرضت التجارة في موسم الحج من غير قصد لها بدليل الأحاديث السابقة ، ولو كان إنشاء السفر للحج والتجارة جميعا فنقول إنه لا يثاب على ذلك السفر كما دلت عليه الأحاديث . وأما أفعال الحج من الإحرام وما بعده فإذا وقعت خالصة أثيب عليها ولا تنافيها التجارة فيكون هو الذي دلت عليه الآية قالوا ويشهد لهذا التفصيل أيضا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن من خير معاش الناس الجهاد » فجعل الجهاد مما يصح أن بتخذ للمعاش ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصودا . قال الصلاح : لم أره هكذا مسندا وبتقدير صحته فإنما سماه معاشا لما يعرض فيه غالبا من المغانم ، ولا يلزم من ذلك أن يكون مقصودا