شرح
والبزار من حديث أبي هريرة ؛ والخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من اللّه تعالى ولم يشبه شئ من هذه الحظوظ . قال القشيري : سمعت أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت أبا عبد الرحمن المغربي يقول : الاخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال وهذا إخلاص العوام وإخلاص الخواص ما يجرى عليهم لا بهم فتبدوا منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد انتهى . وكأنه يشير إلى كمال الاخلاص ولا يقدر عليه إلا بعد استغراق الحب قلبه فرجع جميع المباحات عنده كالأدوية لا يتناول منها إلا لضرورة ولأجل كمال الاخلاص بأصله شق على الناس علمه وعمله فصار حديث الاخلاص عند المتفقهة كالمستغرب وهو شرط في صحة أعمالهم ، والكمال هو أن لا يلتفت في سائر أحواله إلا إلى اللّه تعالى عبادة أو عادة وأن يكون وجود الناس عنده كعدمهم لأن وجودهم مجازى لا حقيقة إذ لا قوام لهم بنفوسهم إنما الموجود الثابت الحقيقي هو اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي قامت ذاته بذاته وكل شئ سواه قائم به ومستند إلى قدرته ، فان عجز عن هذا المقام فليكن وجودهم عنده كوجود البهائم ، بمعنى أنها لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ولا عطاء ولا منعا ولا مدحا ولا ذما ، فمتى ما فرق في مشاهدة الخلق بين أن يشهده رئيس أو بهيمة في عبادة من عباداته فلا يخلو إصلاحه عن نقصان بحسب قوة النظر في وجهة قلبه عن اللّه تعالى أو ضعفها ، ولهذا كان المخلصون على خطر عظيم وكانت أعمالهم أعمال المقربين فمن رزق هذه الحالة فنقصانها بالنظر إليها والاعتماد عليها . هذا ما يتعلق بكمال الإخلاص ، فالباعث على الفعل إما أن يكون روحانيا فقط وهو الإخلاص ، أو شيطانيا فقط وهو الرياء ، أو مركبا وهو ثلاثة أقسام :
لأنه لا يخلو إما أن يكونا سواء أو الروحاني أقوى أو الشيطاني أقوى ، فإذا كان الباعث روحانيا فقط وهذا لا يتصور إلا من محب للّه مستهتر باللّه مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا بل تكون رغبته فيه في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة فلا يشتهى الطعام لأنه طعام بل لأنه يقويه على عبادة اللّه ويتمنى أنه لو كفى شر الجوع حتى لا يحتاج إلى الأكل فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينه فلا يكون له هم إلا اللّه تعالى ، فمثل هذا الشخص لو أكل وشرب أو قضى حاجته كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة وكان له درجة المخلصين فيه ، وإذا كان الباعث شيطانيا فقط ولا يتصور إلا من محب للنفس والدنيا مستغرق الهم بها حيث لم يبق لحب اللّه في قلبه مقر فتكتسب أفعاله تلك الصفة فلا يسلم له شئ من عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا ، وإذا استوى الباعثان يتعارضان ويتاقضان فيصير العمل لا له ولا عليه . وأما من غلب أحد الطرفين فيه فينحط منه ما يساوى الآخر وتبقى الزيادة موجبة أثرها اللائق بها .
وسيأتي تحقيق ذلك والخالص لوجه اللّه هو سبب الثواب كما دلت بذلك الأخبار ، وإنما النظر في العمل المشوب وهو أن يكون الباعث على طلب عمل من أعمال الطاعات مجموع القصدين : قصد وجه اللّه تعالى والقصد الدنيوي . وقد اختلف الأئمة فيه : فمنهم قال لا يقتضى هذا العمل ثوابا ولا