شرح
عقابا ، ومنهم من قال يثاب على ما فيه من الإخلاص ، وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له أو أنه مقتض للعقاب وأن ما وقع فيه من الرياء أحبط العمل بالكلية . وهذا القول اختاره الحارث المحاسبي وكثير من الأئمة قالوا : إن العمل لا يترتب عليه الثواب حتى يكون جميعه خالصا وحده من غير شوب عرض دنيوي ، وأنه متى خالطه قصد غير التقرب إلي اللّه أبطله وكان حكمه حكم ما لو تمحص ذلك القصد الدنيوي ، وهذا هو الذي اختاره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام رحمه اللّه تعالى . قال الصلاح العلائي وهو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة وليس تخلو الأخبار عن تعارض في ذلك ، وهي ما روى عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رجلا قال « يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد في سبيل اللّه وهو يبتغى عرضا من عرض الدنيا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا أجر له فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل عد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلعلك لم تفهمه فقال يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد في سبيل اللّه وهو يبتغى عرضا عن أعراض الدنيا ، فقال لا أجر له . فقالوا للرجل عد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له الثالثة ، فقال لا أجر له » وإسناده حسن وأخرجه الحاكم وصححه . وما روى عن أبي أمامة الباهلي رضى اللّه عنه قال « جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا شئ له ، فأعادها ثلاث مرات ويقول رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم لا شئ له . ثم قال إن اللّه عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه » وإسناده صحيح وقد أخرجه الحاكم وصححه أيضا ، فهذان الخبران يبينان صحة ما ذهب إليه المحاسبي واختاره ابن عبد السّلام وهما صريحان في المدعي . وأما ما يعارض ذلك فحديث عبادة بن الصامت « من غزا في سبيل اللّه ولم ينو إلا عقالا فله ما نواه » رواه النسائي . قال العراقي في شرح التقريب :
فإتيانه بصيغة الحصر يقتضى أنه إذا نوى مع القتال شيئا آخر كان له ما نواه انتهى . وقال السمعاني في أماليه : قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « وإنما لكل امرئ ما نوى » فيه دلالة على أن الأعمال الخارجة عن العبادة قد تفيد الثواب إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل والشرب إذا نوى القوة بهما على العبادة والطاعة ، والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة ، والوطء إذا أريد به التعفف عن الفاحشة . واختار المصنف رحمه اللّه التفصيل في ذلك فقال : والذي ينقدح لنا فيه والعلم عند اللّه تعالى أن ينظر إلى قدر قوة البواعث ، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومقتض للعقاب ، نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم تمتزج به شائبة التقرب ، وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني ، وهذا لقوله تعالى« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »ولقوله تعالى« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها »فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير بل إن كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي تساويه ربقيت زيادة . وإن كان مغلوبا سقط بسببه شئ من عقوبة القصد الفاسد وكشف الغطاء