تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
شرحناها في كتاب : [ إحياء علوم الدّين ] شرحا مستقصيا ، وأشبعنا القول في أسرار معاملات الدّين .
شرح
شرحناها ) أي تلك المسائل ( في ) تصنيفنا ( كتاب إحياء علوم الدين شرحا مستقصيا وأشبعنا القول ) على المسائل المذكورة ( في أسرار معاملات الدين ) وبعضه مسطور في أثناء شرح هذا الباب وبعضه نذكره الآن مع بعض شرحه ملخصا فنقول : اعلم وفقك اللّه تعالى أن الاخلاص شرط في سائر العبادات ، وهو معنى قوله «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ» وقوله «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» وقد قلنا إن رؤية المنة للّه تعالى واجبة للنعمة وليس لها حقيقة إلا التبري من الحول والقوة والرجوع إلى اللّه تعالى بالفقر والفاقة وطلب الاستعانة وهو معنى ما أمرنا به بقوله «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» ولا نعمة للّه علي عبده أفضل من الإيمان به والعمل لأجله فهذا وجه وجوب الإخلاص في سائر العبادات . وأما استحبابها في سائر التقلبات فإن العبد البار لا يتحرك إلا لسيده لأن القوة التي يتحرك بها مكتسبة من تغذية نعمة سيده لأن حقيقة العبد أن لا يملك من نفسه ولا لنفسه شيئا إذ هو خالقه ورازقه وعليه توليه إن أحسن لحكمة الكرم وله أن يعاقبه إن أساء ، فما أوضح هذا وما أعزه في القلوب علما وحالا وعملا ولأجل عزته أوجب اللّه تعالى تكريره على ألسنتنا وقلوبنا في اليوم والليلة سبع عشرة مرة لتخلص لنا أعمالنا ونعتمد عليه في جميع أحوالنا ، فإذا كان الإخلاص هو الإيمان والطاعات وبه تمامهما ونماؤهما وجب شرح حقيقته وتفصيل درجاته ليظهر بذلك الواجب من المستحب ، فاعلم أن كل شئ يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمى خالصا لخلوصه عن الشوب ، وسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا ، قال اللّه تعالى« مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ »وإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به ، والإخلاص وهو تجرد الباعث الواحد يضاده الإشراك وهو أن يشترك باعثان فمن ليس مخلصا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات ، وقد تقدم أن الإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية والشرك منه خفى وجلى وكذا الإخلاص ، والإخلاص وضده يتواردان على القلب فهو محلهما بالاتفاق منهم . ونتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث آخر إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ، ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر ، أو يتعلم العلم ليسهل عليه بذلك طلب ما يكفيه من المال أو يكون عزيزا بين العشيرة بذلك أو ليكون عقاره وماله محروسا بعز العلم عن الأطماع فلا تمتد إليه ، إلى غير ذلك من الشوائب النفسانية فمهما كان باعثه هو التقرب إلى اللّه تعالى ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الاخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه اللّه تعالى وتطرق إليه الشرك . وقد قال تعالى « أنا أغنى الشركاء عن الشركة » رواه ابن ماجة