والأقاويل في هذا كثيرة ، فلا فائدة في تكثير النّقل بعد انكشاف الحقائق ، وقد قال سيّد الأوّلين والآخرين صلّى اللّه عليه وسلّم إذ سئل عن الإخلاص فقال : « تقول ربّى اللّه تعالى ثم تصتقيم كما أمرت » أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلّا ربّك وتستقيم في عبادته كما أمرت ، وهذه إشارة إلى قطع كلّ ما سوى اللّه عن مجرى النّظر ، وهو الإخلاص حقّا ،
شرح
فإن دوام المراقبة يستدعى الاستغراق في العبودية والمستغرق فيها لا يلتفت في سائر أحواله إلا إلى اللّه تعالى ونسيان الحظوظ يستدعى عدم الرؤية في إخلاصه فصار بذلك جامعا لمعاني الإخلاص كلها ( والأقاويل في هذا ) أي في الاخلاص ( كثيرة ) فمن ذلك قولهم الاخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة . وهذا نقله القشيري :
عن ذي النون وهي من علامات الإخلاص . وقال سهل : الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته للّه تعالى خاصة . وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم : الإخلاص صدق النية مع اللّه تعالى ، وقيل نقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه فإذا أراد اللّه أن يخلص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا نقله القشيري عن أبي بكر الدقاق . وقال حذيفة المرعشي : الإخلاص أن تستوى أفعال العبد في الظاهر والباطن ، وقيل الإخلاص ما أريد به الحق وقصد به الصدق ، وقيل الإخلاص الإغماض عن رؤية الأعمال . وقال السرى : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين اللّه . وقال يوسف بن الحسين . أعز شئ في الدنيا الإخلاص ( فلا فائدة في تكثير النقل ) أي نقل الأقاويل ( بعد انكشاف الحقائق و ) إنما البيان الشافي ما ( قد قال سيد الأولين والآخرين صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ سئل عن الاخلاص فقال « تقول ربى اللّه تعالى ثم تستقيم كما أمرت » ) قال العراقي لم أره بهذا اللفظ . وللترمذي وصححه وابن ماجة من حديث سفيان بن عبد اللّه الثقفي « قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به قال : قل ربي اللّه ثم استقم » وهو عند مسلم بلفظ « قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعد قال : قل آمنت باللّه ثم استقم » قال الزبيدي ذكر الحافظ في ترجمة سفيان هذا في الإصابة الحديث المذكور باللفظ الأول . وقال أخرج حديثه مسلم والترمذي والنسائي : أي فذكر النسائي بدل ابن ماجة ، واللّه أعلم . ووجدت في القوت ما يشبه هذا السياق وقال فأحسن : تفسير النية ما فسره به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال « تعبد اللّه كأنك تراه » فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين فهم مخلص المخلصين انتهى ( أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرت وهذه ) لا يطيقها إلا الأكابر ، إذ هي ( إشارة إلى قطع كل ما سوى اللّه عن مجرى النظر وهو الاخلاص حقا ) وذكروا في الاستقامة أنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم