تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
شرح
الدرجات في المآب وهو ممدوح مطلوب وكم من آيات وأخبار وردت فيه . قال تعالى« أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ » .وقال تعالى« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » .وقال« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ »وقال تعالى« فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً »وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاث لا يغلّ عليهن قلب رجل مسلم أخلص العمل للّه » الحديث رواه الترمذي . وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال : « ظن أبى أن له فضلا على من هو دونه من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال النبي صلي اللّه عليه وسلم ؟ إنما نصر اللّه عز وجل هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وصلاتهم » رواه النسائي . وقال ذو النون المصري : الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه والصبر عليه ، والصدق لا يتم إلا بالإخلاص والمداومة عليه فمن أخلص في مقام وصدق في سلوكه وصبر عليه حتى أحكمه نقله اللّه تعالى إلى ما هو فوقه . وقال السوسي : متي شهدوا في إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم لإخلاص فحق المخلص أن لا يرى إخلاصه ولا يسكن إليه فان خالف لم يكمل إخلاصه بل سماه بعضهم رياء . وقال ذو النون : ثلاث من علامات الاخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال بأن لا تنظر لنفعها وضرها لتنسى مدح الخلق وذمهم عليها ، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة . بأن لا يخطر لك جزاء على عملك دنيوي وأخروي ، وقيل رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين : أي لأن غاية المبتدى أن يخلص عمله من الرياء المبطل له فيكون مخلصا ثم يدخله العجب لكونه أضافه لنفسه وقد سلم عمله من الرياء والعجب وتسكن إليه نفسه وتعتمد عليه فيكون نقصا ، والعارف يرى نفسه محلا لجريان طاعته بشروط كمالها ويكون مشغولا بإفراد ربه بعمله الشريف عن سكون نفسه لعمله فإذا سكنت نفسه لعمله عده رياء لكونه خطر بباله في عمله غيره تعالى فإذا كان هذا رياء العارف فأين هو من إخلاص المريد الذي تخلصت أعماله من الرياء المحرم خاصة وبينه وبين ما عده العارفون رياء درجات ، وقال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء : أي من حيث يتوهم أنهم ينسبونه بعمله للرياء فيكره هذه النسبة ويجب دوام نظرهم إليه بالإخلاص فيكون مرائيا بتركه ليحبه لدوام نسبته للاخلاص لا للرياء والعمل من أجلهم شرك لكونه أشرك فيه غيره ، والاخلاص أن يعافيك اللّه منهما . وعن مكحول : ما أخلص عبد أي في جميع أفعاله قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فلا ينطق إلا بما حققه قلبه وأحكمه ، وهذا معنى الحكمة وهو وضع الشئ في موضعه فإذا وزن حوائجه بالعلم وأوقعها للّه وحده كان مخلصا في جميع أعماله فإذا داوم على ذلك أربعين يوما كان على أتم الوجوه وأحسنها ؛ وقيل أعز شئ في الدنيا الإخلاص لأنه على خلاف ما تهواه النفس وإذا أخلص العبد في عمله انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء لبعد القلب بالإخلاص عن ذلك ، وأقل الصدق استواء السر والعلانية ، والصادق من صدق في أقواله ، والصديق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله . قال الجنيد قدس سره : وحقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك فيه إلا الكذب .