ولا تهلك مع الهالكين ، وشربت الشّراب الممزوج العدل ، فلا تهلك ببرودة الرّجاء الصّرف ، ولا بحرارة الخوف الصّرف ، وكأنّى بك قد وصلت إلى المقصود غانما وشفيت من العلّتين سالما ، ووجدت النّفس قد انبعثت للطّاعة ، ودانت في الخدمة ليلا ونهارا من غير فترة ولا غفلة ، واجتنبت المعاصي والمخازي وهجرتها بمرّة .
كما قال نوف البكالىّ : إنّ نوفا إذا ذكر الجنّة طال شوقه ، وإذا ذكر النّار طار نومه ، وصرت حينئذ من الأصفياء الخواصّ العابدين ، الّذين وصفهم اللّه تعالى بقوله :
( إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ )
وكنت قد خلّفت هذه العقبة الخطيرة وراءك بإذن اللّه تعالى
شرح
المتحيرين ( ولا تهلك مع الهالكين وشربت الشراب الممزوج ) أي المخلوط ( العدل فلا تهلك ببرودة الرجاء الصرف ) أي الخالص ( ولا بحرارة الخوف الصرف وكأني بك ) أي أظن بك ( قد وصلت إلى المقصود غانما ) ورابحا ( وشفيت من العلتين ) الأمن واليأس ( سالما ووجدت النفس قد انبعثت ) وقامت ( للطاعة ودانت ) أي أطاعت ( في الخدمة ) أي العبادة لربها ( ليلا ونهارا من غير فترة ) أي انكسار وضعف ( ولا غفلة واجتنبت ) النفس ( المعاصي والمخازي وهجرتها ) أي تركها ( بمرة كما قال نوف البكالي ) بالكسر والتخفيف ولام نسبة إلى بنى بكال ككتاب بطن من حمير وهو نوف بن فضالة الشامي التابعي إمام أهل دمشق مات في الغزو شهيدا بعد التسعين رحمه اللّه تعالى وهو ابن امرأة كعب الأحبار ( إن نوفا ) يعنى نفسه ( إذا ذكر الجنة ) وما فيها من النعيم المقيم ( طال شوقه ) إلى ذلك ( وإذا ذكر النار ) وما فيها من الأغلال والسلاسل وأنواع العذاب الأليم ( طار نومه ) عن عينيه ( وصرت حينئذ ) أي حين إذ فعلت الخوف والرجاء وسلكت الطريق العدل بينهما ( من الأصفياء الخواص العابدين ) وهم ( الذين وصفهم اللّه تعالى بقوله ) جل من قائل ( إنهم ) يعنى الأنبياء وقيل زكريا وأهل بيته ( كانوا يسارعون في الخيرات ) يبادرون إلى الطاعات والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة اللّه عز وجل( وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً )يعني أنهم ضموا إلى فعل الطاعة أمرين : أحدهما الفزع إلى اللّه لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه والثاني الخشوع وهو قوله تعالى( وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ )متواضعين خائفين . قال العلامة الخازن : الخشوع هو الخوف اللازم للقلب فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الوقوع في الإثم ( وكنت قد خلفت هذه العقبة ) الخامسة التي هي عقبة البواعث ( الخطيرة ) أي العظيمة ( وراك ) أي خلفك ( بإذن اللّه تعالى )