على القنوط ؟ إنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين ، قال جعفر فأبكانى قوله . فإذا كان كلّ الرّسل والأبدال والأولياء مع كلّ هذا الاجتهاد في الطّاعة والحذر عن المعصية مرتبطين فأيش تقول ، أما كان لهم حسن ظنّ باللّه ؟ بلى فإنّهم كانوا أعلم بسعة رحمته وأحسن ظنّا بجوده ، ولكن علموا أنّ ذلك دون الاجتهاد أمنية وغرور ، فاعتبر بهذه النّكتة وتأمّل حالهم وانتبه من رقدتك ، واللّه تعالى ولى التّوفيق .
شرح
على القنوط ) واليأس من رحمة اللّه ( إن رحمة اللّه ) أصل الرحمة : رقة تقتضى الإحسان إلى المرحوم ، وتستعمل تارة في الرقة المجردة عن الإحسان ، وتارة الإحسان المجرد عن الرقة وإذا وصف بها الباري جل وعز فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، فرحمة اللّه عز وجل عبارة عن الإفضال والإنعام على عباده وإيصال الخير لهم ، وقيل هي إرادة إيصال الخير والنعمة إلى عباده ، فعلى القول الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال ؛ وعلى القول الثاني تكون من صفات الذات ( قريب من المحسنين ) أي من المؤمنين المحسنين بالقول والفعل .
قال سعيد بن جبير : الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ . وقيل إن تأنيث الرحمة ليس بحقيقي ، وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة وكون الرحمة قريبة من المحسنين . لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة ، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينه وبين رحمة اللّه التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان كذا ذكره الخازن ( قال جعفر فأبكاني قوله ) أي قول أبى ميسرة ذلك ( فإذا كان كل الرسل ) والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ( والأبدال والأولياء ) رضوان اللّه عليهم ( مع كل هذا الاجتهاد في الطاعة والحذر عن المعصية مرتبطين ) أي ملازمين لذلك ( فأيش ) تحريف أي شئ ( تقول أما كان لهم ) أي لهؤلاء الرسل والأنبياء والأبدال والأولياء ( حسن ظن باللّه بلى ) كان لهم ذلك ( فإنهم كانوا أعلم ) منك ( بسعة رحمته ) تعالى ( وأحسن ظنا بجوده ) وكرمه ( منك ولكن علموا ) أي هؤلاء المذكورون ( أن ذلك ) أي حسن الظن باللّه ( دون الاجتهاد ) في الطاعة ( أمنة وغرور . فاعتبر بهذه النكتة ) التي ذكرناها ( وتأمل حالهم ) أي هؤلاء ( وانتبه ) أي استيقظ ( من رقدتك ) أي نومتك : يعنى غفلتك ( واللّه تعالى ولى التوفيق ) والعصمة .