تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها * إنّ السّفينة لا تجرى على اليبس
شرح
( ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجرى على اليبس )في المختار : اليبس بفتحتين المكان رطبا ثم ييبس ، فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته فقد علمت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان فإن من حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهدها وتنحية كل حشيش ينبت فيها فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس واليأس يمنع من التعهد فمن عرف أن الأرض سبخة وأن الماء معوز وأن البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقد الأرض والتعب في تعهدها والرجاء محمود لأنه باعث على العمل حاث عليه كالخوف واليأس مذموم وهو ضده لأنه صارف عن العمل ، والخوف ليس بضد للرجاء كما يتبادر إلى الأذهان بل هو رفيق له ، بل هو أي الخوف باعث آخر بطريق آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة لأن السبب الموجب للخوف هو بعينه سبب الرجاء لأن الصفات القديمة تعلقت بكل موجود في الوجود ومتعلقاتها لا تنقضى سرمدا فهي التي يصدر عنها كل ما ساء وسر ونفع وضر فقد قهر وجبر وأعطى ومنع كل ذلك على أنم أنواع الكمال ، فمن عرف ذلك من صفاته تعالى خافه ورجاه ، وهذا هو الرجاء لذاته الذي يتوقع بحسنة ولا يندفع بسيئة إنما ينشأ من فضل اللّه الذي هو فضله لمن اختصه في أزله من عباده كما أن الخوف ينشأ عن عدل اللّه الذي هو عدله لمن أبعده عن حضرته في أزله ، وينتفع بهذا الرجاء من أخرجه خوف الذنوب والعيوب إلى اليأس والقنوط ، وينتفع بالخوف الذي يراد لذاته من أخرجه رؤية كثرة الأعمال إلى الإدلال والأمن والاغترار ، فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ؛ ومن آثاره التلذذ بدوام الاقبال على اللّه تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له عند الدعاء والسؤال ، فإن هذه الأحوال لا بد وأن تظهر على كل من يرجو ملكا من الملوك أو شخصا من الأشخاص ، فكيف لا يظهر ذلك في حق اللّه تعالي ؟ فإن كان لا يظهر فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض الغرور والتمني فليستأنف التوبة والاقبال على العمل بالجد والاجتهاد حتى تظهر عليه تلك الأحوال ، فهذا هو البيان المفصح لحال الرجاء ولما أثمره من العلم ولما استثمر منه العمل ، ويدل على إثماره لهذه الأعمال حديث زيد الخيل الطائي رضى اللّه عنه إذ قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « جئت لأسألك عن علامة اللّه فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد ؟ فقال كيف أصبحت ؟ قال أصبحت أحب الخير وأهله ، وإذا قدرت على شئ منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه ، وإذا فاتنى منه شئ حزنت عليه وحننت إليه ؟ فقال هذه علامة اللّه فيمن يريد ، ولو أرادك للأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في أي أوديتها هلكت » قال العراقي رواه الطبراني في الكبير من حديث بن مسعود ، فقد ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علامة من