سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 345
قلت : وممّا يبيّن هذا الأصل ما روينا عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه عزّ وجلّ الأمانىّ » وفي ذلك قال الحسن البصرىّ رحمه اللّه : إنّ أقواما ألهمهم أمانىّ المغفرة حتّى خرجوا من الدّنيا مفاليس وليست لهم حسنة ، فيقول أحدهم : إنّى أحسن الظّنّ بربّى ، كذب أريد به الخير ، فمن ارتجى أن يكون مرادا بالخير من غير هذه العلامات فهو مغرور في وادى [ مما يبين هذا الأصل في الرجاء والتمني ما روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » الحديث ] الملامات ( قلت : ومما يبين هذا الأصل ) في الرجاء والتمني ( ما روينا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : الكيس ) على وزن سيد : أي الظريف المتبصر في الأمور الناظر في العواقب ( من دان نفسه ) أي أذلها واستعبدها : يعنى جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربها ( وعمل لما بعد الموت ) من أنواع الطاعات قبل نزوله ليصير على نور من ربه فالموت عاقبة أمر الدنيا ، فالكيس من أبصر العاقبة ( والعاجز ) المقصر في الأمور ، وفي رواية الأحمق ، وفي أخرى بلفظ الفاجر بالفاء ( من أتبع نفسه هواها ) أي ميلها فلم يكفها عن الشهوات ولم يمنعها عن مقارفة المنكرات فقوله نفسه مفعول أول وهواها مفعول ثان ( وتمنى على اللّه عز وجل الأماني ) بتشديد الياء جمع أمنية : أي فهو مع تقصيره في طاعة ربه واتباع شهوات نفسه لا يعتذر ولا يرجع ، بل يتمنى على اللّه العفو والجنة مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار . قال الطيبي : قوبل الكيس بالعاجز والمقابل الحقيقي للكيس السفيه الرأي ، وللعاجز القادر إيذانا بأن الكيس هو القادر وأن العاجز هو السفيه . قال العراقي : رواه الترمذي وقال حسن وابن ماجة من حديث شداد بن أوس انتهى . وقال الزبيدي : وكذلك رواه أحمد والحاكم في الايمان والعسكري والقضاعي كلهم من حديث ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد . قال الحاكم صحيح على شرط البخاري . قال الذهبي : لا واللّه أبو بكر واه انتهى . وقال ابن طاهر : مدار الحديث عليه وهو ضعيف جدا . قال العسكري : هذا الحديث فيه رد على المرجئة وإثبات للوعيد . وقال سعيد بن جبير : الاغترار باللّه المقام على الذنب ورجاء المغفرة ( وفي ذلك ) أي في تمنى العاجز ( قال الحسن البصري ) بفتح الباء وكسرها التابعي الأنصاري ( رحمه اللّه ) أدرك من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مائة وثلاثين . وروى عنه قال : غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان الرجل منهم يصلي بنا ويقرأ الآيات من السورة ثم يركع ومناقبه كثيرة مشهورة توفى سنة عشر ومائة ( أن أقواما ألهتهم ) أي شغلتهم عن الأعمال ( أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا مفاليس وليست لهم حسنة ) واحدة ( فيقول أحدهم ) قبل خروجهم من الدنيا ( إني أحسن الظن بربى ) قال الحسن ( كذب ) القائل بذلك