تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
أرجو أن يحصل لي منه مائة قفيز ، فيقال له : من أين لك هذا الرّجاء ؟ وإنّما ذلك أمنيّة بلا أصل ، فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة اللّه وانتهى عن معصية اللّه تعالى يقول : أرجو أن يتقبّل اللّه منّى هذا اليسير ، ويتمّ هذا التّقصير ، ويغظّم هذا الثّواب ، ويعفو عن الزّلل ، وأحسن الظّنّ فهذا منه رجاء . وأمّا إذا غفل عن ذلك وترك الطّاعات وارتكب المعاصي ، ولم يبال بسخط اللّه تعالى ولا رضاه ولا وعده ووعيده ، ثمّ أخذ يقول : أرجو من اللّه الجنّة ، والنّجاة من النّار ، فذلك منه أمنيّة لا حاصل تحتها ، سمّاها رجاء وحسن ظنّ ، وذلك منه خطأ وضلال ، وقد نظم المعنى القائل :
شرح
أرجو أن يحصل لي منه ) أي من الزرع ( مائة قفيز فيقال له ) أي للقائل المذكور ( من أين لك هذا الرجاء ) وقد لا تزرع زرعا ولا تعمل عملا ( وإنما ذلك ) القول المذكور مع عدم أخذ الأسباب ( أمنية بلا أصل فكذلك ) أي مثل الزرع المذكور ( العبد إذا اجتهد في عبادة اللّه وانتهى عن معصية اللّه تعالى يقول أرجو أن يتقبل اللّه منى هذا اليسير ) من العمل ( و ) أرجو أن ( يتم ) سبحانه وتعالى ( هذا التقصير و ) أن يعظم ( هذا الثواب ) أي ثواب العمل القليل ( و ) أن ( يعفو عن الزلل ) والخطايا ( وأحسن ) العبد ( الظن فهذا ) أي المذكور من الاجتهاد والقول ( منه ) أي من العبد ( رجاء وأما إذا غفل ) العبد ( عن ذلك ) أي الاجتهاد في العبادة والانتهاء عن المعصية ( وترك الطاعات وارتكب المعاصي ولم يبال بسخط اللّه تعالى ) وغضبه ( ولا رضاه ولا وعده ) بالثواب ( و ) لا ( وعيده ) بالعقاب ( ثم أخذ يقول أرجو من اللّه الجنة و ) أرجو ( النجاة من النار فذلك ) القول الذي صدر ( منه ) أي من الغافل المذكور ( أمنية لا حاصل تحتها سماها ) أي الأمنية ( رجاء وحسن ظن ) باللّه تعالى ( وذلك ) أي التسمية بما ذكر ( منه ) أي من الغافل ( خطأ وضلال ) ولذلك قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه : من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب على رجاء العفو من غير ندامة وتوقع القرب من اللّه تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر النار وطلب دار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على اللّه عز وجل مع الإفراط في أمل ، وقيل الغرة باللّه أن يعمل الرجل بمعصية اللّه ويتمنى مغفرته ورجاؤه كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهده بسقى ولا تنقية وإصلاح ( وقد نظم ) هذا ( المعنى ) المذكور ( القائل ) وهو عبد اللّه بن المبارك كما قاله ابن المدابغى من بحر البسيط :ما بال دينك ترضى أن تدنسه * وثوبك الدهر مغسول من الدنس
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 343 | السيد احمد بن زيني دحلان