تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وأمّا الجنّة والنّار ، فتأمّل فيهما آيتين من كتاب اللّه تعالى : إحداهما قوله تعالى :
( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً )
وقال تعالى حكاية عن آخرين :
( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها ، فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ . قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ) .
شرح
( وأما الجنة ) التي هي دار الثواب ( والنار ) التي هي دار العقاب ( فتأمل ) أيها الرجل ( فيهما آيتين من كتاب اللّه تعالى : إحداهما ) أي الآيتين ( قوله تعالى وسقاهم ) أي أهل الجنة ( ربهم ) أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص ، وقيل إن الملائكة يعرضون عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم ويقولون لقد طال أخذنا من الوسائط فإذا هم بكاسات تلاقى أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد كذا ذكره النسفي ( شرابا طهورا ) يعنى طاهرا من الأقذار والأدران لم تمسه الأيدي ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا ، وقيل إنه لا يستحيل بولا ولكنه يستحيل رشحا في أبدانهم كرشح المسك ، وذلك أنهم يؤتون بالطعام ثم من بعده يؤتون بالشراب الطهور فيشربون منه فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر وتضمر بطونهم وتعود شهواتهم وقيل الشراب الطهور هو عين ماء علي باب الجنة من شرب منه نزع اللّه ما كان في قلبه من غل وغش وحسد . قاله الخازن ( « إن هذا ) النعيم ( كان لكم جزاء ) أي يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدتهم نعيمها «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً» قد أعده اللّه لكم إلى هذا الوقت فهو لكم بأعمالكم ، وقيل هو إخبار من اللّه تعالى لعباده المؤمنين أنه قد أعده لهم في الآخرة (وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» ) أي شكرتكم عليه وآتيتكم أفضل منه وهو الثواب ، وقيل شكر اللّه لعباده هو رضاه منهم بالقليل من الطاعة وإعطاؤه إياهم الكثير من الخيرات ( و ) الآية الثانية ( قال تعالى حكاية عن آخرين ) وهم الكفار ( « ربنا أخرجنا منها ) من النار ( فان عدنا ) إلى الكفر والتكذيب ( فانا ظالمون ) لأنفسنا ( قال ) اللّه لهم ( اخسئوا فيها ) أي في النار : يعنى اسكتوا سكوت هو ان فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ ( ولا تكلمون ) في رفع العذاب أو لا تكلمون رأسا ، قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة ربنا أبصرنا وسمعنا فيجابون حق القول منى فيقولون ألفا ربنا أمتنا اثنتين فيجابون ذلكم بأنه إذا دعى اللّه وحده كفرتم فيقولون ألفا يا مالك ليقض علينا ربك فيجابون إنكم ماكثون فيقولون ألفا ربنا أخرنا إلى أجل قريب فيجابون أو لم تكونوا أقسمتم من قبل فيقولون ألفا ربنا أخرجنا نعمل صالحا فيجابون أو لم نعمركم فيقولون ألفا رب ارجعون فيجابون اخسئوا فيها ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء كعواء الكلاب قاله القاضي ، وروى عن عبد اللّه بن عمرو أن أهل جهنم يدعون مالكا خازن جهنم أربعين عاما يا مالك ليقض علينا ربك فلا يجيبهم ثم يقول إنكم ماكثون ، ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فان عدنا فإنا ظالمون فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم اخسئوا