أنّ آخر من يخرج إلى النّار رجل يقال له هنّاد ، عذّب ألف عام ينادى يا حنّان يا منّان ، فبكى الحسن وقال : يا ليتني كنت هنادا ، فتعجّبوا منه فقال ويحكم ، أليس يوما يخرج ؟ .
قلت : فرجع الأمر كلّه إذن إلى أصل واحد ، وهي النّكتة الّتى تقصم الظّهور ، وتصفّر الوجوه ، وتذيب الأكباد ، وتقطع القلوب ، وتدمى العيون من العباد ، وهي خوف نزع المعرفة ، فهذه الغاية الّتى ينتهى إليها خوف الخائفين ، وتبكى عليها أعين الباكين ، ولقد قال بعضهم إنّ الغموم ثلاثة : غمّ الطّاعة أن لا تقبل ،
شرح
البصري رحمه اللّه ( أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد عذب ألف عام ينادى يا حنان ) معناه الرحيم أو الذي يقبل على من أعرض عنه ( يا منان ) معناه المعطى ابتداء ( فبكى الحسن وقال : يا ليتني كنت هنادا ) يشير إلي ما رواه أحمد وابن خزيمة والبيهقي من حديث أنس « إن عبدا في جهنم ينادى ألف سنة يا حنان يا منان فيقول اللّه لجبريل اذهب فائتني بعبدى هذا فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره فيقول : ائتني به فإنه في مكان كذا وكذا فيجىء به فيوقفه على ربه فيقول له يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك فيقول يا رب شر مكان وشر مقيل فيقول ردوا عبدي فيقول يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تعيدنى فيها فيقول دعوا عبدي » وهذا يدل على أن رجاءه كان سبب نجاته من النار كما قاله المصنف في غير هذا الكتاب ( فتعجبوا ) أي الحاضرون عنده ( منه ) رحمه اللّه ( فقال ) الحسن ( ويحكم أليس يوما يخرج ) ذلك الرجل ( قلت فرجع الأمر كله إذن ) أي حين إذ عرفت قول الحسن وغيره ( إلى أصل واحد وهي ) أي ذلك الأصل وأنث الضمير مراعاة للخبر ( النكتة التي تقصم الظهور ) أو تكسرها وبابه ضرب ، قال العلامة الدسوقي :
والقصم بالقاف الكسر سواء كان منه إبانة أولا ، وقيل الكسر مع الإبانة قصم بالقاف وبدون إبانة فصم بالفاء وهذا كناية عن شدة هذه النكتة ، وكذا قوله ( وتصفر الوجوه ) أي تجعلها صفرة وهي لون دون الحمرة كما في المصباح ( وتذيب ) أي تفتت تلك النكتة ( الأكباد ) جمع كبد من الأمعاء معروفة وهي أنثى ، وقال الفراء تذكر وتؤنث ( وتقطع القلوب وتدمي العيون ) أي نجعل دمعها دما بسبب كثرة البكاء حتى انقطعت الدموع ، ثم تسيل كذلك ( من العباد وهي ) أي النكتة المذكورة ( خوف نزع المعرفة فهذه ) هي ( الغاية التي ينتهى إليها ) أي إلى تلك الغاية ( خوف الخائفين ) من السلف الصالحين ( وتبكى عليها ) أي لأجل تلك الغاية ( أعين الباكين ، ولقد قال بعضهم إن الغموم ثلاثة : غم الطاعة ) لأجل ( أن لا تقبل ،