تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وأمّا القيامة فتأمّل قول اللّه تعالى :
( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً )
شرح
للقرآن والحديث أن السماء لا تفتخ لروح الكافر . وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يزيل الإشكال ولفظه « وإذا هو يعرض عليه أرواح ذريته فإذا كان روح المؤمن قال روح طيبة اجعلوها في عليين وإذا كان روح الكافر قال روح خبيثة اجعلوها في سجين » الحديث ، ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته من السماء الدنيا وأنه يأمر بجعل الأرواح في مستقرها فدل على أن الأرواح على استقرارها في السماء الدنيا . وزعم ابن حزم أن اللّه تعالى خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعل في برزخ عند منقطع العناصر حيث لا ماء ولا هواء ولا تراب ولا نار إلى آخر ما قال حسبما أسلفناه . وهذا قول لم يقله أحد من المسلمين ولا هو من جنس كلامهم وإنما هو من جنس كلام المتفلسفة . قال والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين : أحدهما أن أرواح الشهداء تخلق لها أجساد وهي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد ، فان الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل اللّه فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ . والثاني أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت في حقه مثل ذلك ، وإن جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة فقيل معناه التعلق وقيل الأكل من الشجرة فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعيمهم في الأكل واللّه أعلم انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللّه وهو غاية في بابه لا مزيد عليه . ولنرجع إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى ( وأما القيامة فتأمل ) أيها الرجل

[ الكلام في القيامة وقول اللّه تعالى ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً )

الآيات ] ( قول اللّه تعالى «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ) نجمعهم ( إلى الرحمن ) إلى ربهم الذي عمرهم برحمته ولاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأن مساق الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها ( وفدا ) وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم . قال ابن عباس : وفدا : أي ركبانا . قال أبو هريرة : على الإبل وقال علي بن أبي طالب رضى اللّه تعالى عنه ما يحشرون واللّه على أرجلهم ولكن على نوق رحالها من الذهب ونجائب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت ( ونسوق المجرمين ) أي الكافرين كما تساق البهائم ( إلى جهنم وردا » ) أي مشاة عطا شاقد تقطعت أعناقهم من العطش والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد إلا بعد العطش ، وقيل يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء . روى الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة طرائق : راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر معهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسى معهم حيث أمسوا » : قوله تقيل معهم حيث قالوا : من القيلولة وعنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف : صنفا مشاة