وأمّا القيامة فتأمّل قول اللّه تعالى :
( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً )
شرح
للقرآن والحديث أن السماء لا تفتخ لروح الكافر . وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يزيل الإشكال ولفظه « وإذا هو يعرض عليه أرواح ذريته فإذا كان روح المؤمن قال روح طيبة اجعلوها في عليين وإذا كان روح الكافر قال روح خبيثة اجعلوها في سجين » الحديث ، ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته من السماء الدنيا وأنه يأمر بجعل الأرواح في مستقرها فدل على أن الأرواح على استقرارها في السماء الدنيا . وزعم ابن حزم أن اللّه تعالى خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعل في برزخ عند منقطع العناصر حيث لا ماء ولا هواء ولا تراب ولا نار إلى آخر ما قال حسبما أسلفناه . وهذا قول لم يقله أحد من المسلمين ولا هو من جنس كلامهم وإنما هو من جنس كلام المتفلسفة . قال والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين : أحدهما أن أرواح الشهداء تخلق لها أجساد وهي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد ، فان الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل اللّه فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ . والثاني أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت في حقه مثل ذلك ، وإن جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة فقيل معناه التعلق وقيل الأكل من الشجرة فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعيمهم في الأكل واللّه أعلم انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللّه وهو غاية في بابه لا مزيد عليه . ولنرجع إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى ( وأما القيامة فتأمل ) أيها الرجل