تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
شرح
الإسلام وهو قول اللّه تعالى« فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ »وقوله« فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ »الآية ، فلا تزال الأرواح هناك حتى يتم عددها بنفخها في الأجسام ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة فيعيدها عز وجل إلى الأجساد وهي الحياة الثانية وهذا كله كلام ابن حزم وقيل هي على أفنية قبورها . قال ابن عبد البر وهذا أصح ما قيل . قال وأحاديث السؤال وعرض المقعد وعذاب القبر ونعيمه وزيارة القبور والسّلام عليها ومخاطبتهم مخاطبة الحاضر العاقل دالة على ذلك . قال ابن القيم هذا القول إن أريد به أنها ملازمة للقبور لا تفارقها فهو خطأ يرده الكتاب والسنة .

[ تنبيه : عرض المقعد لا يدل على أن الأرواح في القبر ولا على فنائه ]

( تنبيه ) عرض المقعد لا يدل على أن الأرواح في القبر ولا على فنائه بل على أنها اتصالا به يصح أن يعرض عليها مقعدها ، فان للروح شأنا آخر فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على صاحبها رد عليه السلام وهي في مكانها هناك ، وإنما يأتي الغلط هنا من قاس الغائب على الشاهد فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا أشغلت مكانا لم يمكن أن يكون في غيره وهذا غلط محض ، وقد رأى النبي صلي اللّه عليه وسلم ليلة الاسراء موسى عليه السّلام قائما يصلى في قبره ورآه في السماء السادسة فالروح كانت هناك في مثل البدن ولها اتصال في البدن بحيث يصلى في قبره ويرد على من يسلم عليه وهو في الرفيق الأعلى ، ولا تنافى بين الأمرين فان شأن الأرواح غير شأن الأبدان ، وقد مثل ذلك بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض وإن كان غير تام المطابقة من حيث إن الشعاع هو عرض للشمس ، وأما الروح فهي نفسها تنزل ، وكذلك رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ليلة الإسراء في السماوات ، الصحيح أنه رأى فيها الأرواح في مثال الأجساد مع ورود أنهم أحياء في قبورهم يصلون ، فلا منافاة بين كون الروح في عليين أو الجنة أو السماء وأن لها بالبدن اتصالا بحيث تدرك وتسمع وتصلى وتقرأ ، وإنما يستغرب هذا لكون الشاهد الدنيوي لأنه ليس فيه ما يشابه هذا وأمور البرزخ والآخرة على نمط غير المألوف في الدنيا هذا كله كلام ابن القيم ، وحكى في موضع آخر للروح من سرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر ما يقتضى عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة وشاهد ذلك روح النائم ، فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخرق السبع الطباق وتسجد للّه بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان ؛ ثم قال ابن القيم بعد أن أورد بقية الأقوال في مستقر الأرواح : ولا نحكم على قول من هذه الأقوال بعينه بالصحة ولا غيره بالبطلان ، بل الصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت ولا تعارض بين الأدلة فإن كلا منها وارد على فريق من الناس بحسب درجاتهم في السعادة والشقاوة فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الاسراء ، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم ، فإن منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو غيره كما في حديث محمد