تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
أما ترى في أمر سحرة فرعون الذين جاءوا لحربه ، وحلفوا بعزّة فرعون عدوّه ، فما كان إلّا أن رأوا آية موسى عليه السّلام ، فعرفوا الحقّ فقالوا : (
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ *
)
شرح
هدم ما قبله من كفر فارجعوا أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب

[ الكلام في سحرة فرعون الذين جاءوا لحربه ]

( أما ترى في أمر سحرة فرعون الذين جاءوا لحربه ) أي حرب حبيبه موسى عليه الصلاة والسّلام ( وحلفوا ) أي السحرة ( بعزة فرعون عدوه ) . واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون ؟ فقال مقاتل كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني إسرائيل . وقال الكلبي كانوا سبعين غير رئيسهم . وقال كعب الأحبار : كانوا اثنى عشر ألفا . وقال محمد بن إسحاق : كانوا خمسة عشر ألفا . وقال عكرمة كانوا سبعين ألفا . وقال محمد بن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا وقال السدى : كانوا بضعا وثمانين ؛ ويقال رئيس القوم شمعون . وقيل يوحنا ( فما كان إلا أن رأوا ) أي أولئك السحرة ( آية موسى عليه السّلام ) وهي عصاه المنقلبة حية . قال المفسرون : أوحى اللّه عز وجل إلى موسى عليه الصلاة والسّلام أن لا تخف وألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق . قال ابن زيد : كان اجتماعهم بالإسكندرية ، فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فإذا هي تلقف : يعنى تبتلع كل شئ أتوا به من السحر ، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام بينهم فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا ، ثم أخذها موسى عليه السّلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة ، فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس من قدرة البشر وقوتهم ( فعرفوا الحق ) الذي جاء به موسى عليه السّلام ( فقالوا آمنا برب العالمين ) فقال فرعون : إياي تعنون ، فقالوا بل رب موسى وهارون . قال مقاتل قال موسى لكبير السحرة تؤمن بي إن غلبتك ، فقال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك . وقيل إن الحبال والعصى التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى كلها قال بعضهم لبعض : هذا أمر خارج عن حد السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا به وصدقوه . فإن قلت كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان في قوله تعالى« وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ » .قلت لما قذف اللّه عز وجل في قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجدا للّه تعالى شكرا على هدايتهم إليه وعلى ما ألهمهم من الإيمان باللّه وتصديق رسوله ، ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم ، وقيل لما رأوا عظيم قدرة اللّه تعالى وسلطانه في أمر العصا وأنه ليس يقدر على ذلك أحد من البشر وزالت كل شبهة كانت في قلوبهم بادروا إلى السجود للّه تعظيما لشأنه لما رأوا من عظيم قدرته ، ثم أظهروا الإيمان باللسان . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : لما رأت السحرة ما رأت عرفت أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر فخروا سجدا