تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وكان عليه السّلام يقول : « لو أنّى وعيسى أوخذنا بما كسبت هاتان لعذّبنا عذابا لم يعذّبه أحد من العالمين » وكان يصلّى اللّيل ويبكى ويقول : « أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » .
شرح
الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وروى عن عطاء بن أبي رباح قال « دخلت على عائشة رضى اللّه عنها فقلت أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فبكت وقالت وأي شأنه لم يكن عجبا إنه أتاني ليلة فدخل معي في فراشي أو قالت في لحافي حتى مس جلدي جلده . ثم قال يا ابنة أبى بكر ذرينى أتعبد لربى قالت قلت إني أحب قربك لكني أوثر هواك فأذنت له فقام إلى قربة ماء فتوضأ فلم يكثر صب الماء ، ثم قام يصلى فبكى وهو قائم حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى وهو راكع ، ثم رفع رأسه فبكى ، ثم سجد فبكى : ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فاذنه بالصلاة ، فقالت يا رسول اللّه ما يبكيك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ولم لا أفعل ذلك وقد أنزل اللّه على : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ *الآية » ، قال ابن حجر في شرح الشمائل وقد ظن من سأله صلّى اللّه عليه وسلّم في سبب تحمله المشقة في العبادة أن سببها إما خوف الذنب أو رجاء المغفرة فأفادهم أن لها سببا آخر أتم وأكمل هو الشكر على التأهل لها مع المغفرة وإجزال النعمة وهو أعنى الشكر الاعتراف بالنعمة والقيام في الخدمة ببذل المجهود فمن أدام ذلك كان شكورا وقليل ما هم ، ولم يفز أحد بكمال هذه المرتبة غير نبينا صلي اللّه عليه وسلم ، ثم سائر الأنبياء عليهم السّلام ، وإنما ألزموا بذلك في الجد في العبادة وعظيم الخشية لعلمهم بعظيم نعمة ربهم عليهم ابتداء بها فضلا ومنة من غير سابقة توجب استحقاقها أداء لبعض الشكر وإلا فحقوقه تعالى أعظم من أن يقوم بها أحد من خلقه ( وكان عليه السّلام يقول : لو أنى وعيسى أخذنا بما كسبت هاتان ) أشار بأصبعيه إلى نفسه وإلى نفس عيسى عليهما الصلاة والسّلام ( لعذبنا عذابا لم يعذبه ) أي لم يعذب بذلك العذاب ( أحد من العالمين . و ) قد روى أنه ( كان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( يصلى الليل ويبكى ويقول ) في سجوده : « اللهم إني ( أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك ) أي لا أطيقه ولا آتى عليه ، وقيل لا أحيط به . وقال مالك رحمه اللّه معناه لا أحصى نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك ( أنت كما أثنيت على نفسك » ) اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ورد للثناء إلى الجملة دون التفصيل والاحصاء والتعيين فوكل ذلك إلى اللّه سبحانه وتعالي المحيط بكل شئ جملة وتفصيلا ، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه لأن تابع الثناء للمثنى عليه وكل ثناء أثنى به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر اللّه أعظم مع أنه متعال عن القدر وسلطانه أعز وصفاته أكبر