فهذا حال من عرفه ووحّده ساعة بعد كلّ ذلك السّحر والكفر والضّلال والفساد ، فكيف حال من أفنى عمره في توحيده ، ولا يرى لذلك أهلا في الدّارين غيره .
أما ترى أصحاب الكهف وما كانوا عليه من الكفر طول أعمارهم ،
شرح
فلقوا من ذلك بلاء شديدا . وروى عكرمة عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : كانت الضفادع برية فلما أرسلها اللّه عز وجل على آل فرعون وسمعت وأطاعت وجعلت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلى على النار وفي التنانير وهي تفور أثابها اللّه عز وجل بحسن طاعتها بردها إلى الماء ، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى عليه الصلاة والسّلام ما يلقونه من الضفادع وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود ، فأخذ موسى عليه السّلام عليهم العهود والموائيق ثم دعا اللّه عز وجل فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقامت عليهم سبعا من السبت إلى السبت فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا إلى كفرهم فدعا عليهم موسى عليه الصلاة والسّلام فأرسل اللّه عز وجل عليهم الدم فسال النيل عليهم دما عبيطا وصارت مياههم كلها دما وكل ما يستقون من الآبار والأنهار يجدونه دما عبيطا فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب إلا الدم فقال سحركم ، فقالوا من أين يسحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا ؛ فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلى على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلى ماء وما يلي القبطي دما ويفرغان الجرة فيها الماء فيخرج للقبطى دما وللإسرائيلي ماء حتى إن المرأة من آل فرعون تأتى إلى المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول لها اسقينى من مائك فتصب لها في قربتها فيصير في الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي فتفعل ذلك فيصير دما ، ثم إن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم . وقال زيد بن أسلم إن الدم الذي سلط اللّه عز وجل عليهم كان الرعاف فأتوا موسى عليه الصلاة والسّلام وشكوا إليه ما يلقون وقالوا ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه الصلاة والسّلام ربه فكشف عنهم ذلك فلم يؤمنوا ، فذلك قوله تعالى« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ »( فهذا ) أي الحال المذكور ( حال من عرفه ) تعالى ( ووحده ساعة بعد كل ذلك السحر والكفر والضلال والفساد فكيف حال من أفنى عمره في توحيده ولا يرى لذلك ) التوحيد ( أهلا في الدارين ) أي الدنيا والآخرة ( غيره ؟