سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 284
ثمّ الصّحابة الذين هم خير قرن في خير أمّة ، كان يبدو منهم شئ من المزاح ، فنزل قوله تعالى : ( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) . وأكثر ، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ . وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى اللّه تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله « وبرضاك من سخطك » . قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه تعالى في هذا معنى لطيف وذلك أنه استعاذ باللّه تعالى وسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبعفوه من عقابه والرضا . والسخط ضدان متقابلان ، وكذلك العفو والعقاب ، فلما صار إلى ذكر مالا ضد له وهو اللّه سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير ، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه أخرجه مسلم من حديث عائشة رضى اللّه عنها أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ذلك في سجوده قاله العراقي . قلت قال مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة هو حماد بن أسامة عن عبد اللّه بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضى اللّه عنها قالت « فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذات ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وأخرجه الإمام أحمد عن أبي أسامة قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الأذكار : وفي السند لطيفة وهي رواية صحابي عن صحابي أبو هريرة عن عائشة [ الصحابة الذين هم خير قرن في خير أمة كان يبدو منهم شئ من المزاح فنزل قوله تعالى « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ » الآية ] ( ثم الصحابة الذين هم خير قرن في خير أمة ) ومعنى القرن هو أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة كالصحابة فإنهم اشتركوا في الصحبة وهكذا من بعدهم ، وقيل معناه الزمان الذي اشترك أهله في الأمر المذكور ، وسمى قرنا لأنه يقرن أمة بأمة وعالما بعالم . روى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « خير أمتي القرن الذين يلونى ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » وظاهره أن ما بعد القرون الثلاثة سواء في الفضيلة وذهب جماعة إلى تفاوت بقية القرون بالسبقية فكل قرن أفضل من الذي بعده إلى يوم القيامة لحديث « ما من يوم إلا والذي بعده شر منه وإنما يسرع بخياركم » لكن قد ورد « مثل هذه الأمة مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره » والعيان قاض بذلك ( كان ) أي الحال والشأن ( يبدو ) أي يظهر ( منهم ) أي الصحابة رضوان اللّه عليهم ( شئ من المزاح فنزل قوله تعالى ألم يأن ) يحن ( للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ) أي تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن ( لذكر اللّه ) وفي الخازن : قيل نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة ، وذلك أنهم قالوا لسلمان الفارسي ذات يوم : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزل « نحن نقص عليك أحسن القصص » فأخبرهم أن القرآن أحسن من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء اللّه ثم عادوا فسألوه مثل ذلك فنزل « اللّه نزل أحسن الحديث » الآية فكفوا عن سؤاله ما شاء اللّه ثم عادوا فسألوه فنزلت هذه الآية ، فعلى هذا القول يكون تأويل قوله « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا » يعنى في العلانية باللسان ولم يؤمنوا بالقلب . وقيل نزلت في المؤمنين وذلك أنهم لما قدموا