تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وكان بعد ذلك صلوات اللّه عليه يصلّى اللّيل حتى تورّمت قدماه ، فيقولون : أتفعل هذا يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فيقول : أفلا أكون عبدا شكورا
شرح
إلى قوله تعالى« وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ-لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ- ولِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ » .وقال ابن جرير هو راجع إلى قوله في سورة النصر« وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً-لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ »وقيل إن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة المذكورة ؛ وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قال يسرنا لك الفتح ونصرناك على عدوك وغفرنا لك ذنبك وهديناك صراطا مستقيما ليجتمع لك عز الدارين وأغراض العاجل والآجل ، وقيل يجوز أن يكون الفتح سببا للغفران لأنه جهاد للعدو وفيه الثواب والمغفرة مع الظفر بالعدو والفوز بالفتح وقيل لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة والطواف بالبيت كان ذلك سببا للمغفرة ؛ ومعنى الآية ليغفر لك اللّه جميع ما فرط منك ما تقدم من ذنبك يعنى قبل النبوة وما تأخر يعنى بعدها ، وهذا على قول من يجوز الصغائر على الأنبياء . وقال عطاء الخراساني ما تقدم من ذنبك يعنى من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك ، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم . وقال سفيان الثوري ما تقدم من ذنبك مما كان منك قبل النبوة وما تأخر يعنى كل شئ لم تعمله ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد كما تقول أعطى من تراه ومن لم تره واضرب من لقيت ومن لم تلقه ، فيكون المعنى ما وقع لك من ذنب وما لم يقع فهو مغفور لك ، وقيل المراد منه ما كان من سهو وغفلة وتأول لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن له ذنب كذنوب غيره فالمراد بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون وقع منه من سهو ونحو ذلك لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين فسماه ذنبا فما كان من هذا القبيل وغيره فهو مغفور له فأعلمه اللّه عز وجل بذلك وأنه مغفور له ليتم نعمته عليه وهو قوله تعالى« وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ » *( وكان بعد ذلك ) أي منه تعالى بالغفران ( صلوات اللّه ) وسلامه ( عليه يصلى الليل حتى تورمت ) أي انتفخت ( قدماه ) صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسبب ورم القدمين من كثرة القيام انصباب المواد التي في أعالي الجسم إليهما لطول القيام فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يكن يزيد بالليل على اثنتي عشرة ركعة لكن كان يطيل القيام فيها ، وقد روى المغيرة « أنه صلى اللّه عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له أتتكلف هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال أفلا أكون عبدا شكورا » ؟ وفي رواية أنه قال له جبريل أبق على نفسك ، فان لها عليك حقا فأنزل اللّه سبحانه وتعالى« طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى »كذا في حاشية البردة ( فيقولون ) أي الصحابة ( أتفعل هذا ) أي قيام الليل ( يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول ) عليه الصلاة والسّلام ( أفلا أكون عبدا شكورا ) قال العراقي رواه
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 282 | السيد احمد بن زيني دحلان