غيّر اسمه فقال : (
وَذَا النُّونِ
) فنسبه إلى سجنه ثمّ قال : (
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ، فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
) ثمّ ذكر نعمته ومنّته فقال : (
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
) فانظر إلى هذه السّياسة أيّها المسكين .
وكذلك هلمّ جرّا إلى سيّد المرسلين أكرم
شرح
( غير ) سبحانه وتعالى ( اسمه ) أي يونس عليه السّلام ( فقال ) تعالى في سورة الأنبياء( « وَذَا النُّونِ » )أي واذكر صاحب الحوت يونس ابن متى ( فنسبه إلى سجنه ) وهو الحوت لابتلاعه إياه كما ذكره القاضي ( ثم قال ) تعالى في سورة والصافات( « فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ » )أي ابتلعه ( وهو مليم ) داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه أو مليم نفسه ، وقرىء بالفتح مبنيا من ليم كمشيب في مشوب (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) الذاكرين اللّه كثيرا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو قوله «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» . وقال ابن عباس ، من المصلين : وقيل من العابدين . قال الحسن : ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا فشكر اللّه تعالى له طاعته القديمة . قال بعضهم : اذكروا اللّه في الرخاء يذكركم في الشدة فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا اللّه تعالى فلما وقع في الشدة في بطن الحوت شكر اللّه تعالى له ذلك فقال «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ) حيا وقيل ميتا ، وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ، ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء ( ثم ذكر ) اللّه تعالى ( نعمته ومنته ) عليه ( فقال ) في سورة ن« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ » )يعنى التوفيق للتوبة وقبولها وحسن تذكير الفعل للفصل ، وقرئ تداركته وتداركه :
أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه ( لنبذ ) لطرح من بطن الحوت ( بالعراء ) أي بالأرض الخالية عن الشجر والنبات ، وقيل بالساحل . روى أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه ( وهو مذموم ) أي يذم ويلام بالذنب ، وقيل في معنى الآية لولا تداركته نعمة من ربه لبقى في بطن الحوت إلي يوم القيامة ، ثم ينبذ بعراء القيامة : أي بأرضها وفضائها . فإن قلت هل يدل قوله وهو مذموم على كونه كان للذنب ؟ .
قلت : الجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها أن كلمة لولا دلت على أنه لم يحصل منه ما يوجب الذم .
الثاني لعل المراد منه ترك الأفضل فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين . الثالث لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة يدل عليه قوله تعالى« فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ » :أي النبيين ( فانظر إلى هذه السياسة أيها المسكين وكذلك هلم جرا ) بفتح الميم : أي احضر وهو اسم فعل وجر نصب على المصدرية أي جرجرا : أي جذب جذبا كذا في سراج السالكين . وقال الفيومي في مصباحه :
هلم كلمة بمعنى الدعاء إلي الشئ كما يقال تعالى ، إلى أن قال : وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع وعليه قوله « والقائلين لإخوانهم هلم إلينا » ( إلى سيد المرسلين أكرم