وفيما روى أنّ أحد العبّاد السّبعة قال ليونس عليه السّلام : يا يونس إنّ العبّاد إذا اجتهدوا في العبادة لم يتقوّوا على عبادتهم بشئ أفضل من الصّبر عن ترك الكلام في فصل طويل ، ثمّ عاد إلى ذلك فقال : ولا يكوننّ
شرح
وقال ملك الصين : ما لم أتكلم بالكلمة فأنا أملكها ، فان تكلمت بها ملكتنى ، وقال قيصر ملك الروم : أنا على رد ما لم أقل أقدر منى على رد ما قلت . وقال ملك الهند : العجب ممن يتكلم بكلمة إن هي رفعت ضرته وإن لم ترفع لم تنفعه وروى عن الربيع بن خيثم أنه كان إذا أصبح وضع قرطاسا وقلما ولا يتكلم بشئ إلا كتبه وحفظه ثم يحاسب نفسه عند المساء . قال أبو الليث رحمه اللّه : هكذا كان عمل الزهاد أنهم كانوا يتكلفون لحفظ اللسان ويحاسبون أنفسهم في الدنيا ، وهكذا ينبغي للمسلم أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة ، لأن حساب الدنيا أيسر من حساب الآخرة ، وحفظ اللسان في الدنيا أيسر من ندامة الآخرة . وروى عن إبراهيم التيمي أنه قال : حدثني من صحب الربيع بن خيثم عشرين سنة فما سمع منه كلمة يعاب بها .
وقال موسى بن سعيد : لما أصيب الحسين بن علي رضى اللّه عنهما يعنى قتل ، فقال رجل من أصحاب الربيع إن تكلم الربيع فاليوم يتكلم ، فجاء حتى فتح الباب وأخبره بأن الحسين قد قتل فنظر إلى السماء فقال « اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون » ولم يزد على ذلك شيئا . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « ينبغي للعاقل أن لا يكون شاخصا إلا في ثلاث : مرمة لمعاشه ، أو خلوة لمعاده ، أو لذة في غبر محرم » وقال « ينبغي للعاقل أن يكون له في النهار أربع ساعات : ساعة يناجى فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يأتي فيها أهل العلم الذين يبصرونه بأمر دينه ودنياه وينصحونه ، وساعة يخلى بين نفسه ولذاتها فيما يجلى ويجمل » وقال « ينبغي للعاقل أن ينظر في شأنه ويعرف أهل زمانه ويحفظ فرجه ولسانه » قال العلامة السمرقندي :
وذكر أن هذه الكلمات مكتوبة في حكمة آل داود ، وعن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أربع لا تصير إلا في مؤمن : الصمت وهو أول العبادة ، والتواضع ، وذكر اللّه تعالي وقلة الشر » وذكر عن عيسى بن مريم عليه السّلام بهذا اللفظ ( وفيما روى أن أحد العباد السبعة قال ليونس ) النبي ( عليه ) الصلاة و ( السّلام : يا يونس إن العباد ) جمع عابد ( إذا اجتهدوا في العبادة لم يتقووا ) أي لم يطلبوا القوة ( على عبادتهم بشئ أفضل من الصبر عن ترك الكلام ) فيما لا ينفعهم ( في فصل ) أي زمن ( طويل ) فسكت العابد عن الكلام بما ذكر ( ثم عاد إلى ذلك ) أي إلى التكلم مخاطبا ليونس عليه السّلام ( فقال ) العابد ( ولا يكونن