سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 27
على كل جزء رقيبا وحفيظا ، فتولى حفظ القلب بنفسه فلا يعلم ما في ضمير العبد إلا اللّه ، ووكل على لسانه الحفظة . قال اللّه تعالي « ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » وسلط على الجوارح الأمر والنهى ، ثم إنه يريد من كل جزء وفاء ، فوفاء القلب أن يثبت على الإيمان وأن لا يحسد ولا يخون ولا يمكر ، ووفاء اللسان أن لا يغتاب ولا يكذب ولا يتكلم بما لا يعنيه ، ووفاء الجوارح أن لا يعصى اللّه تعالى ولا يؤذى أحدا من المسلمين ، فمن وقع من القلب فهو منافق ومن وقع من اللسان فهو كافر ومن وقع من الجوارح فهو عاص . وعن الحسن البصري رحمه اللّه : نظر عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه إلى شاب فقال يا شاب إن وقيت شر ثلاث فقد وقيت شر الشباب ، إن وقيت شر لقلقك يعنى لسانك وذبذبك يعنى فرجك وقبقبك يعنى بطنك . [ أول ما ظهر من حكمة لقمان الحكيم ] وذكر أن لقمان الحكيم كان عبدا حبشيا ، فأول ما ظهر من حكمته أنه قال له مولاه يا غلام اذبح لنا هذه الشاة وائتني بأطيب مضغتين منها فجاء بالقلب واللسان ، ثم قال مرة أخرى اذبح لنا هذه الشاة وائت بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله عن ذلك ، فقال : ليس في الجسد مضغتان أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا . وروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه لما بعث معاذا إلي اليمن ، فقال يا نبي اللّه أوصني ، فأشار إلى لسانه يعنى عليك بحفظ اللسان فكأنه تهاون به فقال يا نبي اللّه أوصني قال ثكلتك أمك وهل يكب الناس في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم ؟ » . وروى عن سفيان الثوري أنه قال : لأن أرمي رجلا بسهم أحب إلي من أرميه بلساني ، لأن رمى اللسان لا يخطئ ورمي السهم قد يخطئ . وروى عن أبي ذر الغفاري رضى اللّه عنه أنه قام عند الكعبة فقال : ألا من عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة الغفاري أبو ذر هلموا إلي أخ ناصح شفيق عليكم فاحتمع الناس حوله ، فقال : يا أيها الناس من أراد منكم سفرا من أسفار الدنيا لا يفعل ذلك إلا بزاد فكيف من يريد سفر الآخرة بلا زاد ؟ قالوا وما زادنا يا أبا ذر ؟ قال : صلاة ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور ، وصوم في حر شديد ليوم النشور ، وصدقة على المساكين لعلكم تنجون من عذاب يوم عسير ، وحج لعظائم الأمور واجعلوا الدنيا مجلسين : مجلسا في طلب الدنيا ، ومجلسا في طلب الآخرة ، والثالث يضر ولا ينفع ، واجعلوا الكلام كلمتين كلمة نافعة في أمر دينكم ، وكلمة باقية في أمر آخرتكم ، والثالث يضر ولا ينفع ، واجعلوا المال درهمين درهما أنفقه على عيالك ، ودرهما قدمه لنفسك ، والثالث يضرّ ولا ينفع ثم قال أوه قتلني هم يوم لا أدركه قيل وما ذاك ؟ قال إن أملي قد جاوز أجلي فقعدت عن عملي ، وذكر عن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسّلام أنه قال لا تكثروا الكلام في غير ذكر اللّه تعالى فتقسو قلوبكم والقلب القاسى بعيد من اللّه ولكن لا تعلمون وما أحسن قول بعضهم : وإن من أبعد قلوب الناس * من ربنا الرحيم قلب قاسى وروى عن أبي بكر بن عياش أنه قال : أربعة من الملوك تكلم كل واحد منهم بكلمة كأنها رمية رميت من قوس واحدة . قال كسري : لا أندم على ما لم أقل ، وقد أندم على ما قلت .