تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وحسبك أنّ فيه ربحك وغنيمتك وثمرة تعبك واجتهادك كلّه للعبادة والطّاعة ، وأنّ خطر العبادة وإحباطها وإفسادها في الأكثر من قبل اللّسان بالتّصنّع والتّزيّن والغيبة ونحوها يتلف عليك بلفظة واحدة ما تعبت فيه سنة واحدة بل خمسا وعشرا ، ولذلك قيل : ما شئ أحقّ بطول السّجن من الّلسان .
شرح
وهو أغلب أعضائك عليك وعلى سائر الخلق ، ولا يكب الناس في النار علي مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؛ فاطلب الغلبة عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم ( وحسبك أن فيه ) أي في اللسان ( ربحك وغنيمتك وثمرة تعبك واجتهادك كله للعبادة والطاعة و ) حسبك ( أن خطر العبادة وإحباطها وإفسادها ) بمعنى واحد ، يقال حبط العمل حبطا من باب تعب ، وحبوطا فسد وهدر وحبط يحبط من باب ضرب لغة وقرىء بها في الشواذ ، وحبط دم فلان حبطا من باب تعب هدر وأحبطت العمل والدم بالألف أهدرته كذا قاله الفيومي ( في الأكثر ) والأغلب ( من قبل اللسان ) بكسر القاف وفتح الباء : أي من جهته ( بالتصنع ) أي تكلف حسن الصمت والتزين مع الإظهار عن النفس فعلا ليس فيه ( والتزين والغيبة ونحوها ) أي من آفات اللسان ( يتلف ) بضم الياء : أي يفسد هذا اللسان ( عليك بلفظة واحدة ما تعبت ) أي من الطاعة ( فيه ) أي في فعله ( سنة واحدة بل خمسا وعشرا ) من السنين ( ولذلك ) أي لأجل الإتلاف المذكور ( قيل ) أي قال ابن مسعود رضى اللّه عنه : واللّه الذي لا إله إلا هو ( ما شئ أحق بطول السجن ) والحبس ( من اللسان ) لأنه أقوى أسباب الهلاك في الدنيا والآخرة . وذكر عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : يا بنى من يصحب صاحب السوء لم يسلم ، ومن يدخل مدخل السوء يتهم ، ومن لا يملك لسانه يندم ، وعن رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم أنه قال « طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته » . وروى عن الحسن البصري رحمه اللّه أنه قال : كانوا يقولون إن لسان الحكيم من وراء قلبه ، فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبه ، فإن كان له قال ، وإن كان عليه أمسك ، وإن الجاهل قلبه على طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه ما أتى على لسانه تكلم . وروى عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه أن لقمان الحكيم دخل على داود النبي صلي اللّه عليه وسلم وكان داود يسرد الدرع فجعل يتعجب مما يرى ، فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ داود عليه السّلام قام فلبس الدرع ثم قال : نعم الدرع للحرب ، ونعم عامله . قال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله . وفي موضع أنه كان يختلف إليه سنة ويريد أن يسأله فلما فرغ منه لبسه وقال : ما أحسن هذا الدرع للحرب ، فقال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله .

[ إن جسد ابن آدم ثلاثة أجزاء ]

قال بعض الحكماء : إن جسد ابن آدم ثلاثة أجزاء ، فجزء منها قلبه ، والثاني لسانه ، والثالث الجوارح ، وقد أكرم اللّه تعالى كل جزء بكرامة ، فأكرم القلب بمعرفته وتوحيده ، وأكرم اللسان بشهادة أن لا إله إلا اللّه وتلاوة كتابه ، وأكرم الجوارح بالصلاة والصوم وسائر الطاعات ووكل