تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
شرح
وروى البغوي باسناد الثعلبي عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن داود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين نظر إلى المرأة فهم ففظع على بني إسرائيل أوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به ، ومن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو يهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان يقصان عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبهته وهو يقول في سجوده : رب زل داود نزلة أبعد ما بين المشرق والمغرب . رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلق من بعده فجاءه جبريل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن اللّه تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت به ، فقال داود إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن اللّه عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال رب دمى الذي عند داود ؟ فقال جبريل ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن قال نعم ، فعرج جبريل وسجد داود ما شاء اللّه تعالى ثم نزل جبريل عليه الصلاة والسّلام فقال سألت اللّه يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل لداود إن اللّه تعالى يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول اللّه تعالى فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا عن دمك » فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان داود .

فصل في تنزيه داود عليه الصلاة والسّلام عما لا يليق به وما ينسب إليه

اعلم أن من خصه اللّه تعالى بنبوته وأكرمه برسالته وشرفه علي كثير من خلقه وائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب إليه ما لو نسب إلى آحاد الناس لاستنكف أن يحدث به عنه فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ذلك . روى سعيد بن المسيب والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه أنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حد الفرية على الأنبياء ، وقال القاضي عياض : لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص اللّه تعالى على شئ من ذلك ولا ورد في حديث صحيح ، والذي نص عليه اللّه في قصة داود «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ» وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم ، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمر داود . قال الإمام فخر الدين : حاصل القصة يرجع إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسّلام هذا . وقال غيره : إن اللّه تعالى أثنى على داود قبل هذه القصة وما بعدها وذلك يدل على استحالة ما نقلوه من القصة فكيف