ثمّ إنّ يونس نبيّه عليه السّلام ، غضب غضبة واحدة في غير موضعها ،
شرح
يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم ، ولو جرى ذلك من بعض الناس لاستهجنه العقلاء ولقالوا أنت في مدح شخص كيف تجرى ذمه أثناء مدحك واللّه تعالى منزه عن مثل هذا في كلامه القديم .
فإن قلت في الآية ما يدل على صدور الذنب منه وهو قوله تعالى« وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ »وقوله :« فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ »وقوله« وَأَنابَ »وقوله « فغفر ناله ذلك » . قلت ليس في هذه الألفاظ شئ مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشرية عاتبهم اللّه تغالى على ذلك وغفره لهم كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين . فإن قلت فعلى هذا القول والاحتمال فما معنى الامتحان في الآية . قلت ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود عليه الصلاة والسّلام ما زاد على أن قال للرجل انزل لي عن امرأتك واكفلنيها فعاتبه اللّه تعالى على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا . وقيل إن داود تمنى أن تكون امرأة أوريا له فاتفق أن أوريا هلك في الحرب فلما بلغ داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ثم تزوج امرأته فعاتبه اللّه تعالى على ذلك ، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند اللّه تعالى . وقيل إن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه اللّه تعالى على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة . ويدل على صحة هذا الوجه قوله «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها فعوقب داود بسببين : أحدهما خطبته على خطبة أخيه ، والثاني إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه . وقيل إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة وإنما هو بسبب الخصمين وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر ، وقيل هو قوله لأحد الخصمين «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ» فحكم على خصمه بكونه ظالما بمجرد الدعوى ، فلما كان هذا الحكم مخالفا للصواب اشتغل داود بالاستغفار والتوبة فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود عليه الصلاة والسّلام مما نسب إليه ، واللّه أعلم .