تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
فبكى على ذلك حتّى نبت العشب في الأرض من دموعه وقال : إلهي أما ترحم بكائي وتضرّعى ، فأجيب : يا داود نسيت ذنبك ، وذكرت بكاءك ! ولم يقبل توبته أربعين يوما ، وقيل أربعين سنة
شرح
امرأة أوريا بن حنانا وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود فكتب داود إلى ابن أخته أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدمه قبل التابوث وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح اللّه على يديه أو يستشهد فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه فبعثه فقتل المرة الثالثة ، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود فهي أم سليمان عليه السّلام . وقيل إن داود أحب أن يقتل أوريا فتزوج امرأته فهذا كان ذنبه . وقال ابن مسعود : كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته ، وقيل كان ذلك مباحا لهم غير أن اللّه عز وجل لم يرض لداود ذلك لأنه رغبة في الدنيا له عن امرأته ، وقيل كان ذنبه . وقال ابن مسعود : كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل وازدياد من النساء وقد أغناه اللّه تعالى عنها بما أعطاه من غيرها . وقيل في سبب امتحان داود أنه كان جزأ الدهر أجزاء يوما لنسائه ويوما للعبادة ويوما للحكم بين بني إسرائيل ويوما يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه ، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك ، وقيل إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلى اعتصم فلما كان يوم عبادته أغلق عليه الأبواب وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءة التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت حمامة وذكر نحو ما تقدم فلما دخل بالمرأة لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث اللّه عز وجل الملكين اليه ، وقيل إن داود عليه السّلام ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانوا يصلون معه ، فلما استأنس بهم قال أخبروني بأي شئ أنتم موكلون ؟ قالوا نكتب صالح أعمالك ونوافقك ونصرف عنك السوء ، فقال في نفسه ليت شعري كيف أكون لو خلونى ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون ، فأوحى اللّه تعالى إلى الملكين أن يعتزلاه ليعلم أنه لا غنى له عن اللّه تعالى فلما فقدهم جد واجتهد في العبادة إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه فأراد اللّه تعالى أن يعرفه ضعفه فأرسل طائرا من طيور الجنة ، وذكر نحو ما تقدم . وقيل إن داود قال لبنى إسرائيل لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلي . وقيل إنه أعجبه عمله فابتلي فبعث اللّه إليه ملكين في صورة رجلين وذلك في يوم عبادته فطلبا أن يدخلا عليه فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فما شعر إلا وهما بين يديه جالسان وهو يصلى يقال كانا جبريل وميكائيل فذلك قوله عز وجل« وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ »الآية ( فبكى ) داود عليه السّلام ( على ذلك ) أي الذنب الواحد ( حتى نبت العشب ) أي الكلأ الرطب ( في الأرض من دموعه وقال إلهي ) وسيدي ( أما ترحم بكائي وتضرعي فأجيب ) داود عليه السّلام ( يا داود نسيت ذنبك وذكرت بكاءك ولم يقبل توبته ) عليه السّلام ( أربعين يوما وقيل أربعين سنة )