تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
ومن عذابه الأليم ، وفظيع خذلانه الّذى لا طاقة لنا به . فانظر إلى خبث الدّنيا وشؤمها ما ذا يجلب للعلماء خاصّة فتنبّه ، فإنّ الأمر خطير ، والعمر قصير ، وفي العمل تقصير ، والنّاقد بصير ؛ فإن ختم بالخير أعمالنا وأقالنا عثراتنا ، فما ذلك عليه بعسير . ثمّ إنّ داود عليه السّلام خليفته في أرضه أذنب ذنبا واحدا
شرح
ومن عذابه الأليم ) أي المؤلم ( وفظيع ) أي شنيع ( خذلانه الذي لا طاقة لنا به فانظر إلى خبث الدنيا وشؤمها ) وشرورها ( ما ذا يجلب ) أي يجر ( للعلماء خاصة ، فتنبه ) من نوم غفلتك ( فإن الأمر خطير ) أي مخوف ( والعمر قصير وفي العمل تقصير والناقد بضير ، فإن ختم ) اللّه تعالى ( بالخير أعمالنا وأقالنا عثراتنا ) في [ محيط المحيط ] أقال اللّه عثرتك وأقالكها : أي رفعك من سقوطك ؛ قيل ، ومنه الإقالة في البيع لأنها رفع العقد ( فما ذلك ) أي ليس المذكور من الختم والإقالة ( عليه ) تعالى ( بعسير .

[ المحنة التي لحقت داود عليه السّلام وبكاؤه منها حتى نبت العشب في الأرض من دموعه ]

ثم إن داود عليه السّلام خليفته في أرضه أذنب ذنبا واحدا ) . واختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب ذلك ، وسأذكر ما قاله المفسرون ثم أتبعه بفصل فيه ذكر نزاهة داود عليه الصلاة والسّلام عما لا يليق بمنصبه عليه السّلام لأن منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها فلا ينسب إليها إلا ما يليق بها . وأما ما قاله المفسرون : فهو أن داود عليه السّلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وذلك أنه كان قد قسم الدهر ثلاثة أيام : يوم يقضى فيه بين الناس ، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل ، ويوم لنسائه وأشغاله ، وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب . فقال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي . فأوحى اللّه إليه إنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها : ابتلى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بنمرود وذبح ابنه ، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره ، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف ؛ فقال داود عليه الصلاة والسّلام : رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضا ؛ فأوحى اللّه عز وجل اليه إنك مبتلي في شهر كذا في يوم كذا فاحترس ، فلما كان اليوم الذي وعده اللّه به دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلى ويقرأ الزبور ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن وجناحاها من الدر والزبرجد فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها ، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة اللّه تعالى ، فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن يؤيسه من نفسها ، فامتد إليها ليأخذها فتنحت فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت من الكوة فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها له فأبصر امرأة في بستان على شاطىء بركة تغتسل ، وقيل رآها تغتسل علي سطح لها فرآها من أجمل النساء خلقا فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجابا بها ، فسأل عنها فقيل هي نشابع بنت شايع
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 274 | السيد احمد بن زيني دحلان