تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
حرمة واحدة ، فسلبه اللّه معرفته ، وجعله بمنزلة الكلب المطرود ، فقال :
( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ )
الآية . فأوقعه في بحر الضّلال والهلاك إلى آخر الأبد حتّى سمعت بعض العلماء يقول : إنّه كان في أوّل أمره بحيث يكون في مجلسه اثنا عشر ألف محبرة للمتعلّمين الّذين يكتبون عنه ، ثمّ صار بحيث كان أوّل من صنّف كتابا وذكر فيه : أنّ ليس للعالم صانع ، نعوذ باللّه ، ثمّ نعوذ باللّه من سخطه
شرح
( حرمة واحدة فسلبه اللّه معرفته ) وعلمه ( وجعله ) اللّه ( بمنزلة الكلب المطرود ، فقال ) تعالى ( فمثله ) فصفته التي هي مثل في الخسة ( كمثل الكلب ) كصفته في أخس أحواله وهو( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ »الآية ) أي اقرأ بقيتها وهي قوله «أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه من العطش وشدة الحر وعند الإعياء والتعب ، وهذا مثل ضربه اللّه عز وجل لمن آتاه آياته وحكمته فتركها وعدل عنها واتبع هواه وترك آخرته وآثر دنياه بأخس الحيوانات وهو الكلب في أخس أحواله وهو اللهث ، لأن الكلب في حال لهثه لا يقدر علي نفع نفسه ولا ضرها ، كذلك العالم الذي يتبع هواه لا يقدر على نفع نفسه ولا ضررها في الآخرة ، لأن التمثيل به علي أنه يلهث على كل حال إن حملت عليه أو تركته كان لاهثا وذلك عادة منه وطبيعة وهي مواظبته على اللهث دائما ، فكذلك من آتاه اللّه العلم والدين وأغناه عن التعرض لحطام الدنيا الخسيسة ثم إنه مال إليها وطلبها كانت حاله كحال الكلب اللاهث ، وقيل إن العالم إذا توصل بعلمه إلى طلب الدنيا فإنه يظهر علومه عند أهلها ويدلع لسانه في تقرير تلك العلوم وبيانها ، وذلك لأجل ما يحصل عنده من حرارة الحرص الشديد وشدة العطش إلى الفوز بمطلوبه من الدنيا فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الذي أدلع لسانه من اللهث في غير حاجة ولا ضرورة ؛ ومعنى إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث : أي إن شددت عليه وأهجته لهث وإن تركته على حاله لهث لأن اللهث طبيعة أصلية فيه ، فكذلك حال الحريص على الدنيا إن وعظته فهو حريص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه ؛ وإن تركته ولم تعظه فهو حريص أيضا لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب ( فأوقعه ) أي أوقع بلعام كل من ميله إلى الدنيا ميلة واحدة وتركه احترام موسى عليه السّلام حرمة واحدة ( في بحر الضلال والهلاك إلى آخر الأبد حتى سمعت بعض العلماء يقول : إنه ) أي بلعام ( كان في أول أمره بحيث يكون في مجلسه اثنا عشر ألف محبرة ) بالكسر الدواة ( للمتعلمين الذين يكتبون عنه ) أي بلعام ( ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا وذكر فيه ) أي في ذلك الكتاب ( أن ) أي أنه ( ليس للعالم صانع ، نعوذ باللّه ، ثم نعوذ باللّه من سخطه
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 273 | السيد احمد بن زيني دحلان