سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 270
فكم خاف وتضرّع ، واستغفر وقال : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) ، ثمّ في زمانه بلعم بن باعوراء ، كان بحيث إذا نظر إلى السّماء يرى العرش ، وهو المعنىّ بقوله تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا بمكان موسى لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم فوجد موسى رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط فاستغاثه الذي من شيعته يعنى الإسرائيلى على الذي من عدوه يعنى الفرعونى . والمعنى أنه سأله أن يخلصه منه وأن ينصره عليه فغضب موسى واشتد غضبه لأنه أخذه وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة فقال موسى للفرعونى خل سبيله ، فقال إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك فنازعه ، فقال الفرعونى لقد هممت أن أحمله عليك ، وكان موسى قد أوتى بسطة في الخلق وشدة في القوة « فوكزه موسى » أي ضربه بجمع كفه « فقضى عليه » أي قتله وفرغ من أمره فتندم موسى عليه ، ولم يكن قصده القتل ودفنه في الرمل ( فكم خاف ) موسى عليه السّلام ( وتضرع واستغفر ) ربه ( و قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) أي بقتل القبطي من غير أمر ، وقيل هو على سبيل الاتضاع للّه تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب ( فاغفر لي ) أي ترك هذا المندوب ، وقيل يحتمل أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث فعلت هذا فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به ، فقال فاغفر لي . أي فاستره على ولا توصل خبره إلى فرعون [ الكلام في بلعم بن باعوراء وهو المعنى بقوله تعالى « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا الآية » ] ( ثم ) كان ( في زمانه ) أي موسى عليه السّلام ( بلعم بن باعوراء ) و ( كان ) ابن باعوراء ( بحيث إذا نظر إلى السماء يرى العرش ) أي عرش الرحمن قال النووي بن عمر في ترغيبه 7 والعرش جسم عظيم نوراني علوي ، وهو قبة ذات قوائم يحمله الآن أربعة وفي الآخرة ثمانية رؤوسهم فوق السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى وإنما زيد في حملته في الآخرة لأنه يزداد تجلى الجلال عليه فيها ، وقد ورد أن له ثلاثمائة وستين قائمة عرض كل قائمة منها قدر عرض الدنيا سبعين ألف مرة وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صخرة في كل صخرة ستون ألف عالم وكل عالم كالثقلين من الجن والإنس ولذلك وصفه اللّه تعالى بالعظيم في قوله تعالى « وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » بناء على قراءته بالجر كما هو القراءة المشهورة ( وهو المعنىّ ) أي المراد ( بقوله تعالى وأتل عليهم ) أي على اليهودي ( نبأ ) خبر ( الذي آتيناه آياتنا ) وهي علوم الكتب القديمة والتصرف بالاسم الأعظم فكان يدعو به حيث شاء فيجاب بعين ما طلب في الحال واختلفوا فيه أي في الذي أوتى الآيات فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما هو بلعم بن باعوراء ، وقال مجاهد بلعم بن باعر ، وقال بن مسعود هو بلعم بن أير قال عطية قال ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه كان من بني إسرائيل ، وفي رواية أخرى عنه كان من الكنعانيين من بلد الجبارين ، وقال مقاتل هو من مدينة البلقاء . وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس رضى اللّه عنهما ومحمد بن إسحاق والسدى وغيرهم من أصحاب الأخبار والسير قالوا إن موسى