تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ثمّ آدم صلّى اللّه عليه وسلّم ، صفيّه ونبيّه الّذى بيده ، وأسجد له ملائكته وحمله على أعناقهم إلى جواره ، انبسط فأكل أكلة واحدة لم يؤذن له فيها ، فنودي : ألا لا يجاورني من عصاني ، وأمر الملائكة الّذين حملوا سريره يزجّونه من سماء إلى سماء ، حتّى أوقعوه بالأرض ، ولم يقبل توبته فيما روى ، حتّى بكى على ذلك مائتي سنة ، ولحقه من الهوان والبلاء ما لحقه ، وبقيت ذرّيّته في تبعات ذلك على الأبد . ثمّ إنّ نوحا عليه السّلام شيخ المرسلين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، الّذى احتمل في أمر دينه ما احتمل ، لم يقل إلّا كلمة واحدة على غير وجهها إذ نودي : (
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
،
شرح
عليه الأحكام كما لا تعود عليه الأحكام وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام ثم تعود على الحكومات أبدا ولأنه جلت قدرته لا يلزمه ما ألزم الخلق الذين هم تحت الحكم ولا يدخل تحت معيار العقل والعلم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا

[ المحنة التي لحقت آدم عليه السّلام وبقيت ذريته في تبعات ذلك على الأبد ، وما عوتب به نوح وإبراهيم عليهما السّلام ]

( ثم ) إن ( آدم صلّى اللّه عليه وسلّم صفيه ونبيه الذي خلقه بيده ) أي بقدرته ( وأسجد ) تعالي ( له ) أي لآدم عليه السّلام ( ملائكته وحمله على أعناقهم إلى جواره ) في جنة النعيم مجاورة معنوية ( انبسط ) أي اتسع في الجنة ( فأكل ) عليه السّلام ( أكلة واحدة لم يؤذن له ) أي لآدم ( فيها ) أي في تلك الأكلة ( فنودي : ألا لا يجاورني من عصاني وأمر ) تعالى ( الملائكة الذين حملوا سريره ) عليه السّلام ( يزجونه ) أي يسوقونه ويدفعونه زجاه يزجوه زجوا واوى : ساقه ودفعه برفق وزجى الشئ تزجية : دفعه برفق وأزجاه إزجاء بمعنى زجاه كذا في سراج السالكين ( من سماء إلى سماء حتى أوقعوه ) أي آدم عليه السّلام ( بالأرض ولم يقبل توبته فيما روى حتى بكى ) عليه السّلام ( على ذلك ) أي على انبساطه في الأكل المنهى عنه ( مائتي سنة ولحقه ) أي آدم ( من الهوان ) أي الذل . هان الرجل هونا وهوانا ومهانة : ذل وحقر وضعف وسكن وقر ( والبلاء ما لحقه وبقيت ذريته في تبعات ) أي حقوق ( ذلك ) الذنب ( على الأبد . ثم إن نوحا عليه السّلام شيخ المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين الذي احتمل ) عليه السّلام ( في أمر دينه ما احتمل ) أي من الصبر على إيذاء قومه وغيره ( لم يقل ) نوح عليه السّلام ( إلا كلمة واحدة ) وهي قوله «إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» قيل له «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» إلى آخره ( على غير وجهها ) وفي نسخة علي غير موضعها ( إذ نودي «فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» ) وذلك أن نوحا عليه السّلام سأل ربه إنجاء ولده من الغرق وهو من كمال شفقة الوالد على ولده ، وهو لا يعلم أن ذلك محذور لإصرار ولده على الكفر فنهاه اللّه سبحانه وتعالى عن مثل هذه المسئلة وأعلمه أن ذلك لا يجوز .