تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
فلم يترك فيما قيل موضع قدم إلّا وسجد للّه تعالى فيه سجدة ، ثمّ ترك أمرا واحدا فطرده عن بابه ، وضرب بوجهه عبادة ثمانين ألف سنة ، ولعنه إلى يوم الدّين ، وأعدّ له عذابا أليما إلى أبد الآبدين . حتّى روى أنّ الصّادق الأمين ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، رأى جبريل عليه السّلام ، متعلّقا بأستار الكعبة وهو يصرخ وينادى : إلهي وسيّدى : لا تغيّر اسمى ، ولا تبدّل جسمي .
شرح
بل أكثر منها كما قاله بعضهم ( فلم يترك ) إبليس اللعين ( فيما قيل موضع قدم إلا وسجد للّه تعالى فيه ) أي في ذلك الموضع ( سجدة ، ثم ) كان اللعين في عاقبة أمره أنه ( ترك أمرا واحدا ) وهو السجود لآدم عليه السّلام ( فطرده ) اللّه تعالى ( عن بابه ) أي باب رحمته ( وضرب ) سبحانه وتعالى ( بوجهه ) أي اللعين ( عبادة ثمانين ألف سنة ولعنه ) أي أبعده من رحمته ( إلى يوم الدين ) أي الجزاء ( وأعد ) تعالى ( له ) أي اللعين ( عذابا أليما ) أي مؤلما

[ ما روى أن الصادق الأمين رأى جبريل عليه السّلام متعلقا بأستار الكعبة الخ ما قاله الخليل عليه السّلام لما وضع في المنجنيق ، ومثله ما أخبر به اللّه عن موسى عليه السّلام ]

( إلى أبد الآبدين حتى روى أن الصادق الأمين صلوات اللّه عليه وسلامه رأى جبريل عليه السّلام متعلقا بأستار الكعبة وهو ) أي جبريل ( يصرخ ) من باب قتل : أي يصيح ويستغيث ( وينادى : إلهي وسيدي لا تغير اسمى ولا تبدل جسمي ) وحتى روي في الخبر المشهور « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وجبريل عليه السّلام بكيا خوفا من اللّه تعالى فأوحى اللّه إليهما لم تبكيان وقد أمنتكما ؟ فقالا : ومن يأمن مكرك » وكأنهما إذ علما أن اللّه هو علام الغيوب ، وأنه لا وقوف لهما على غاية الأمور لم يأمنا أن يكون قوله قد أمنتكما ابتلاء وامتحانا لهما ومكرا بهما حتى إن سكن خوفهما ظهر أنهما قد أمنا من المكر وما وفيا بقولهما كما أن خليله إبراهيم عليه السّلام اختبره تعالى لما وضع في المنجنيق وأهوى به في الهواء قال : حسبي اللّه وكانت هذه القولة من الدعاوى العظام فامتحن وعورض بجبريل في الهواء حتى قال ، ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا فكان ذلك وفاء بحقيقه قوله : حسبي اللّه ، فأخبر اللّه تعالى عنه فقال « وإبراهيم الذي وفي » أي بموجب قوله : حسبي اللّه ، ومثل هذا المعنى أخبر عن موسى عليه السّلام حيث قال «إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى» ومع هذا لما ألقى السحرة سحرهم أوجس موسى في نفسه خيفة ، إذ لم يأمن مكر اللّه والتباس الأمر بأن يكون قد أسر عنه في غيبه ، وقد استأثر عن نفسه تعالى ما لم يظهره له في القول لمعرفته عليه السّلام بخفى المكر وباطن الوصف ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور فخاف خوفا ثانيا حتى جدد عليه الأمن بحكم ثان ، وقيل له «لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى،لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ» فاطمأن إلى القائل ولم يسكن إلي الإظهار الأول لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 267 | السيد احمد بن زيني دحلان