سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 24
وما يغنيك صيام نهار طويل ثمّ تفسده بكلمة واحدة . ولقد روينا عن ابن عبّاس رضى اللّه عنهما أنّه قيل له : ما تقول في رجلين أحدهما كثير الخير كثير الشّرّ ؛ والآخر قليل الخير قليل الشّرّ : قال لا أعدل بالسّلامة شيئا . ومثال ما قلناه حال المريض ، وذلك أنّ معالجة المريض نصفان : نصف هو الدّواء ونصف هو الاحتماء ، فإن اجتمعا فكأنّك بالمريض قد برئ وصحّ ، وإلا فالاحتماء به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء ، ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدّواء . ولقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصل كلّ دواء الحمية » والمعنىّ بها واللّه أعلم أنّها تغنى عن كلّ المهلكات ( وما يغنيك ) أي ليس يكفيك ( صيام نهار طويل ثم تفسده بكلمة واحدة ) والمراد بها ما فيه إيذاء مسلم ونحوه دون مجرد المزاح المباح ، ففي الخبر « إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها أصحابه فيهوى بها في قعر جهنم سبعين خريفا » . [ تقسيم الكلام إلى أربعة أقسام ] وذكر بعضهم أن الكلام أربعة أقسام : ضرر محض ونفع محض وضرر ومنفعة ولا ضرر ولا منفعة ، فالضرر المحض لا بد من السكوت عنه ، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة ولا تفي المنفعة بالضرر ، وأما ما لا ضرر فيه ولا منفعة فهو فضول ، والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الواحد فيسقط ثلاثة أرباع الكلام ، وفيه خطر إذا كان يجر ما فيه إثم من الرياء والتصنع ونحوهما ( ولقد روينا عن ) ترجمان القرآن عبد اللّه ( بن عباس رضى اللّه عنه أنه قيل له ما تقول في ) شأن ( رجلين أحدهما كثير الخير كثير الشر ، والآخر قليل الخير قليل الشر ؟ قال ) ابن عباس ( لا أعدل ) ولا أسوى ( بالسلامة شيئا ) قال المصنف ( ومثال ما قلناه ) أي من أن للعبادة شطرين ( حال المريض ، و ) بيان ( ذلك ) أي المثال ( أن معالجة المريض ) أي مداواته ( نصفان نصف هو الدواء ، ونصف هو الاحتماء ) أي الامتناع عما يضره ( فإن اجتمعا ) أي الدواء والاحتماء ( فكأنك ) نظرت ( بالمريض قد برئ ) أي تعافى وشفى . في المختار برئ من المرض بالكسر برءا بالضم ، وعند أهل الحجاز برأ من المرض من باب قطع ( وصح ) أي ذلك المريض من مرضه ( وإلا ) أي وإن لم يجتمع هذان النوعان ( فالاحتماء به ) أي بالمريض ( أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء ، ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدواء ، ولقد قال ) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلم : أصل كل دواء الحمية ) أي الحفظ مما يتضرر به ، وهذا الحديث رواه ابن أبي الدنيا ، وقد تقدم مثله ( والمعنى بها واللّه أعلم ) جملة معترضة ( أنها ) أي الحمية ( تغنى ) أي تكفى ( عن كل