تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
ثمّ قال في عقبه : ( وأنّ عذابي هو العذاب الأليم ) لئلا يستولى عليك الرّجاء بمرّة ، وقوله تعالى :
( شَدِيدُ الْعِقابِ ) *
ثمّ قال في عقبه : (
ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
) لئلّا يستولى عليك الخوف بمرّة ، وأعجب منه . قوله سبحانه وتعالى :
( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) *
شرح
أنى أنا الغفور الرحيم ) . قال ابن عباس : يعنى لمن تاب منهم ، وروى « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرج على أصحابه وهم يضحكون فقال : أتضحكون وبين أيديكم النار ؟ فنزل جبريل بهذه الآية وقال : يقول لك ربك يا محمد مم تقنط عبادي ؟ » ذكره البغوي بغير سند ( ثم قال ) تعالى ( في عقبه ) أي عقب هذا القول المذكور ( وأن عذابي هو العذاب الأليم ) . قال قتادة : بلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « لو يعلم العبد قدر عفو اللّه لما تورع عن حرام ، ولو يعلم العبد قدر عذابه لبخع نفسه » يعتى لقتل نفسه . روى الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « إن اللّه سبحانه وتعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأدخل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » وفي الآية لطائف : منها أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه بقوله : « نبىء عبادي » وهذا تشريف وتعظيم لهم ، ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج لم يزد على قوله سبحانه« الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا »فكل من اعترف على نفسه بالعبودية للّه تعالى فهو داخل في هذا التشريف العظيم . ومنها أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة : أولها قوله أنى ، وثانيها أنا ، وثالثها إدخال الألف واللام في الغفور الرحيم ، وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة ، ولما ذكر العذاب لم يقل إني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك ، بل قال « وأن عذابي هو العذاب الأليم » على سبيل الإخبار . ومنها أنه سبحانه وتعالى أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ عباده هذا المعنى ، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة ( لئلا يستولى ) أي وإنما قال ذلك لئلا يستولى : أي يغلب ( عليك الرجاء بمرة .

[ الآيات اللطيفة الجامعة بين الخوف والرجاء ]

و ) من الآيات اللطيفة الجامعة بين الخوف والرجاء أيضا ( قوله تعالى ) في سورة المؤمن( شَدِيدُ الْعِقابِ ) *للكافرين : أي مشدده ( ثم قال ) تعالى ( في عقبة - ذي الطول ) أي السعة والغنى ، وقيل ذي الفضل والنعم ، وأصل الطول : الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه ( لا إله إلا هو ) أي هو الموصوف بصفات الوحدانية التي لا يوصف بها غيره فيجب الإقبال الكلى على عبادته ( لئلا يستولى عليك الخوف بمرة وأعجب منه ) أي من القول المذكور ( قوله سبحانه وتعالى ) في سورة آل عمران( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) *أي ونحو فكم اللّه أن تعصوه بأن ترتكبوا المنهي عما