واجعل صدقتك كفّ الأذى ، فإنّك لا تتصدّق بشئ أفضل منه ، ولا تصوم بشئ أزكى منه ، فإذا علمت أنّ جانب الاجتناب أولى بالرّعاية والاجتهاد فيه ، فإن حصل لك الشّطران جميعا : الاكتساب والاجتناب ، فقد استكمل أمرك وحصل مرادك وقد سلمت وغنمت ، وإن لم تبلغ إلّا إلى أحدهما فليكن ذلك جانب الاجتناب فتسلم إن لم تغنم وإلّا خسرت الشّطرين جميعا ، وما ينفعك قيام ليل وتعبه ثمّ تحبطه بإرادة واحدة ،
شرح
الاختيارية ، وكلا هذين اضطراري فلا يتأتى التكليف به ( واجعل صدقتك كف الأذى ) أي دفعه وصرفه ومنعه ، وفي ذلك إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في المال ، كما دل عليه خبر الصحيحين عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل سلامي من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة ، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذي عن الطريق صدقة » ثم شرط الثواب على هذه الأعمال كما قاله العلامة ابن حجر : خلوص النية فيها وفعلها للّه تعالى وحده كما دل عليه حديث صحيح ابن حبان ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر فيه خصالا : كالتصدق ، وقول المعروف ، وإعانة الضعيف ، وترك الأذى ، ثم قال : « والذي نفسي بيده ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها ما عند اللّه إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة » وهو مستمد من قوله تعالى« إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً »وبهذا يرد ما روى عن الحسن وابن سيرين « أن من أعطى آخر شيئا حياء منه له فيه أجر » وأبو نعيم في الحلية عن ابن سيرين « أن من تبع جنازة حياء من أهلها له أجر لصلته الحي » ( فإنك لا تتصدق بشئ أفضل منه ) أي من كف الأذى ودفعه ( ولا تصوم بشئ أزكى ) أي أطهر ( منه ) أي من الصمت عن جميع السوء ( فإذا ) أي إذا كان الأمر كذلك ( علمت أن جانب الاجتناب ) عن المعاصي ( أولى ) أي أحق ( بالرعاية والاجتهاد فيه ) أي في جانب الاجتناب عما ذكر ( فإن حصل لك الشطران ) أي الجزآن ( جميعا ) وهما ( الاكتساب والاجتناب ، فقد استكمل أمرك وحصل مرادك ، وقد سلمت وغنمت ) وربحت ربحا عظيما ( وإن لم تبلغ إلا إلى أحدهما ) أي الشطرين ( فليكن ذلك ) أي الذي بلغته من أحدهما ( جانب الاجتناب فتسلم إن لم تغنم ، وإلا ) أي إن لم يكن الذي بلغته جانب الاجتناب ، بل هو الاكتساب مع عدم رعاية الاجتناب عن المعاصي ( خسرت الشطرين ) خسرانا مبينا ( جميعا ، وما ) أي ليس ( ينفعك قيام ليل ) أي صلاته وغيرها من الأوراد ( وتعبه ثم تحبطه بإرادة واحدة ) من الرياء والعجب والحسد ونحوها من الصفات