تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨

( الأصل الأوّل : أقواله سبحانه وتعالى )

تدبّر أيّها الرجل ما في الكتاب العزيز ، من آيات التّرغيب والتّرهيب والتّرجية ، والتّخويف ؛ فمن آيات الرّجاء قوله تعالى :
( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
شرح
( الأصل الأول ( من الثلاثة المذكورة ) أقواله سبحانه وتعالى ) ( تدبر ) أي تفكر ( أيها الرجل ما في الكتاب العزيز من آيات الترغيب والترهيب والترجية والتخويف ، فمن آيات الرجاء قوله تعالى ) في سورة الزمر( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ )لا تيأسوا من مغفرته أولا وتفضله ثانيا . وذكر الخازن عن ابن عباس « أن سبب نزول هذه الآية أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا الحرمات فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا محمد إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة فنزلت «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَإلى قوله :فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» قال يبدل شركهم إيمانا وزناهم إحصانا ، ونزلت « قليا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» أخرجه النسائي . وعن ابن عباس أيضا قال « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وحشى يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب ، وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل اللّه تعالى« إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً »فقال وحشى هذا شرط شديد لعلى لا أقدر عليه فهل غير ذلك ؟ فأنزل اللّه تعالى« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » *فقال وحشى أراني بعد في شبهة ، فلا أدرى أيغفر لي أم لا فأنزل اللّه تعالى« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ » ،فقال وحشى نعم هذا فجاء فأسلم . وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل اللّه من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا به فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فكتبها عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد ابن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا جميعا وهاجروا . وعن ابن عمر أيضا قال : كنا معشر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نرى أو نقول : ليس شئ من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقال الكبائر والفواحش . قال فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا هلك فنزلت هذه الآية فكففنا عن القول في ذلك ، وكنا إذا رأينا من أصحابنا من أصاب شيئا من ذلك خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا له (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) عفوا ولو بعد تعذيب ، وتقييده