تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
-
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
-
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
-
شرح
هو اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . وعن السدى هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب . وعن غيره هو أن يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره . وعن سهل هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلي الأحوال المحمودة . وعن الجنيد هو الإعراض عما دون اللّه (وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) صغيرها وكبيرها لمن يشاء ، ومنها قوله تعالى في سورة الأنعام( كَتَبَ رَبُّكُمْ )أي فرض وقضى ( على نفسه الرحمة ) وهذا يفيد الوجوب . وسبب هذا أنه تعالى يتصرف في عباده كيف يشاء وأراد فأوجب على نفسه الرحمة على سبيل الفضل والكرم لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ، كذا ذكره الخازن ، والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال الكتب والإمهال على الكفر . ومنها قوله تعالى في سورة الأعراف( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )يعنى أن رحمته سبحانه وتعالى عمت خلقه كلهم . وقال بعضهم هذا من العام أريد به الخاص فرحمة اللّه عمت البر والفاجر في الدنيا وهي للمؤمنين خاصة في الآخرة ، وقيل للمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة ولكن الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن لسعة رحمة اللّه فإذا كان يوم القيامة وجبت للمؤمنين خاصة . قال جماعة من المفسرين لما نزلت «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» تطاول إبليس إليها وقال أنا من ذلك الشئ فنزعها اللّه تعالى من إبليس فقال اللّه تعالى ( فسأكتبها ) فسأثبتها في الآخرة أو فسأكتبها كتبة خاصة منكم يا بني إسرائيل( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» فأيس إبليس منها . وقالت اليهود نحن نتقى ونؤتى الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها اللّه من اليهود وأثبتها لهذه الأمة . فقال تعالى« الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ »الآية . وقال نوف البكالي : لما اختار موسى من قومه سبعين رجلا قال اللّه تعالى لموسى أجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهر قلوبكم يقرؤها الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير . فقال موسى ذلك لقومه فقالوا لا نريد أن نصلى إلا في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا . قال اللّه تعالى« فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَإلى قولهالْمُفْلِحُونَ» فجعلها اللّه تعالى لهذه الأمة فقال موسى رب اجعلني نبيهم ، قال نبيهم منهم . قال اجعلني منهم ، قال إنك لن تدركهم . قال موسى يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل اللّه تعالى« وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ »فرضى موسى .