شرح
منه ما لا يخافون ، فلو لا أنهما عند العلماء كشىء واحد ما فسر أحدهما بالآخر ، ومن الرجاء الأنس باللّه تعالى في الخلوات ، ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب إلى الأولياء وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير وسعة الصدور والروح عندهم ، ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى لوجود حلاوة الأعمال والمسارعة إليها والحث لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها ، ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الاقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال وحسن الاصغاء إلى محادثة القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في العفو الجميل ومنال الفضل الجزيل .
وقال بعض العارفين : للتوحيد نور وللشرك نار ، ونور التوحيد أحرق للسان الموحدين من نار الشرك لحسنات المشرك . وقد كان يحيى بن معاذ يقول في مقامات الرجاء : إذا كان توحيد ساعة يحببط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ما ذا يصنع بالذنوب ؟ وقد قال سهل : لا يصح الخوف إلا لأهل الرجاء . وقال مرة : العلماء مقطوعون إلا الخائفين والخائفون مقطوعون إلا الراجين .
وكان يجعل الرجاء مقاما في المحبة وهو عند العلماء أول مقام المحبة ثم يعلو في الحب على قدر ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن . وفي الخبر « إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم وينفرهم » وقال بشر الحافي : سكون النفس إلى المدح أضر عليها من المعاصي . ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه فالتفت المخنث إليه فقال وأنت أيضا يكفيك ما بك ففزع من قوله وقال : أي شئ بي ؟ قال لأن عندك أنك خير منى فاعترف يوسف بذلك فتاب واستغفر ، وكان بعض الراجين يفهم من قوله تعالي إذا تلا« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »يرجو بذلك بوادي الجود والكرم والإحسان ما لم يحتسبه في الدنيا قط . ويقال إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات : سبحانك على حلمك بعد علمك سبحانك على عفوك بعد قدرتك ، فللراجين من العارفين فهوم من السمع للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعانى الصفات ، فكل صاحب مقام يشهد من مقامه ويسمع من حيث شهادته ، فأعلاهم شهادة الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين ثم خصوص المؤمنين ، فيه تبارك وتعالى استدلوا عليه وبه نظروا إليه . «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» وكان سهل يقول : المؤمن يعيش في سعة الرحمة والمؤمن يعيش في سعة الحلم فصفاته تعالى كاملات ، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من مشاهدته لتضور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء ولأجل مقامه المراد به دون طريق الصديقين من الأقوياء فعاد ذلك علي العبد فصار مقاما له في القرب والبعد ، تعالى وصف المشهوذ عن النقصان والحد ومثل الرجاء من الخوف مثل الرخصة من العزائم . وفي الخبر « إن اللّه تعالي يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه » وفي لفظ آخر أبلغ من هذا وأوكد « إن اللّه تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » وفي الخبر « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض نفسك إلى عبادة اللّه تعالى وخير الدين أيسره » وقال « هلك المتعمقون هلك المتنطعون » وفي أخبار داود عليه السّلام : إن اللّه تعالى نظر إليه منتبذا وحدانيا ، فقال مالك وحدانيا فقال عاديت الخلق فيك ، قال أو ما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل هنالك أكتبك