تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
فإذا واظبت على هذين النّوعين من الأذكار أفضى بك إلى استشعار الخوف والرّجاء بكلّ حال ، واللّه تعالى ولى التّوفيق بمنّه وفضله .
شرح
لأوليائك وآيست الكفار منها وخلقت ملائكتك غير محتاجين إليها وأنت مستغن عنها ، فإن لم تعطنا الجنة فلمن تكون الجنة ؟ وقال ابن مسعود : لن تزال الرحمة بالناس يوم القيامة حتى إن إبليس يرفع رأسه مما يرى من سعة رحمة اللّه وشفاعة الشافعين ( فإذا واظبت ) أيها الرجل ( على هذين النوعين من الأذكار أفضى ) ذلك المذكور من المواظبة ( بك إلى استشعار الخوف والرجاء بكل حال واللّه تعالى ولى التوفيق بمنه وفضله ) وكرمه ،

[ ما ذكره أبو طالب المكي في القوت مما يتعلق بالرجاء ]

وقد ذكر أبو طالب المكي في القوت الكلام فيما يتعلق بالرجاء ونقله العلامة الزبيدي وقد أحببت أن أسوقه لتمام الفائدة . قال صاحب القوت عن بعض السلف : كل عاص فإنه يعصى تحت كنف الرحمن ، فمن ألقى عليه كنفه ستر عورته ، ومن رفع عنه كنفه افتضح . والرجاء اسم لقوة الطمع في الشئ بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشئ ، ولذلك أقام اللّه الطمع مقام الرجاء في التسمية ، وأقام الحذر مقام الخوف فقال تعالى« يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً »وقال تعالى« يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ »وهو وصف من أوصاف المؤمنين ، وخلق من أخلاق الإيمان لا يصح إلا به كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف ، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطائر لا يطير إلا بجناحيه كذلك لا يؤمن حتى يرجو من آمن به ويخافه وكان ابن مسعود يحلف باللّه ما أحسن عبد ظنه باللّه إلا أعطاه اللّه ذلك لأن الخير كله بيده : أي فإذا أعطاه حسن الظن به فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له . وروينا عن يوسف بن أسباط قال : سمعت سفيان الثوري يقول في قول اللّه تعالى« وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »قال : أي أحسنوا باللّه الظن . والرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم والحياء ، وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف يروحون به الكرب ويستريحون إليه من مقارفة الذنب ، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء ، ومن لم يقم في مقامات الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء ورجاء كل عبد من حقيقة خوفه ومكاشفته عن أخلاق مرجوه من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة ، فإن كان أقيم مقام المخوفات من المخلوقات مثل الذنوب والعيوب والأسباب رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق الجنان وما فيها من الأوصاف الحسان ، وهذه مواجهات أصحاب اليمين ، وإن كان أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات ، مثل سابق العلم وسوء الخاتمة وخفى المكر وباطن الاستدراك وبطش القدرة وحكم الكبر والجبرية رفع من حيث هذه المقامات إلى مقام المحبة والرضا فرجا من معاني الأخلاق والأسماء الكرم والإحسان والفضل والعطف واللطف والامتنان ، وليس يصلح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين وهو يفسد من لم يرد به أشد الفساد ، فليس يصلح