شرح
إلا بخصوصه ولا يجذب ولا يستجيب له من المحبين ولا محبة إلا بعد نصح القلب من المخافة ، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه ، وكلسان الميزان بين كفتيه ، ومنه قول مطرف : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ، وللمؤمن في اعتدال الخوف والرجاء مقامان : أعلاهما مقام المقربين وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة . والثاني مقام أصحاب اليمين وهو ما عرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت الأقسام من ذلك أنه تعالى أنعم على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا فلما أعلمهم ذلك رجوا تمام النعمة من حيث ابتداؤها ، ومن ها هنا طمع السحرة في المغفرة لما ابتدءوا بالايمان فقالوا «إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ» أي من حيث جعلنا أول المؤمنين ، من هذا المكان نرجو بأن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه ، وقد ذم اللّه تعالى عبدا أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه . فقال تعالى« وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ »ثم استثنى عباده الصابرين عليه الصالحين له فقال تعالى« إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات في كل طبقة طائفة . فمنهم من يعيش مؤمنا ويموت مؤمنا فمن هاهنا رجاؤهم لأنفسهم وغيرهم من المؤمنين إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته وأن لا يسلبهم بفضل ما به بدأهم ، ومنهم من يعيش مؤمنا ويموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليه وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم اللّه تعالى بعلمه السابق فيهم ، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم . الثاني للمشرك إذا رأوه فلم يقطعوه لظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحالة وإن كان ذلك هو حقيقة عند اللّه تعالى ، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة وزن خوفه ورجائه معا فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به وحكم على الخلق بالظاهر ووكل إلى علام الغيوب السرائر ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر بل يرجو له ما يظن عند اللّه من الخير ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير ، بل يخاف أن يكون قد استسر عند اللّه باطن شر إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره لأن ذلك هو وجد المؤمنين من قبل أنهم مأمورون بحسن الظن فهم يحسنون الظن بالناس ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور ، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها ، ويوقعون الملام عليها ولا يحتحون لها لباطن الاشفاق منهم عليهم ولخوف التزكية منهم لهم ، فمن غلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ويسئ ظنه بغيره فيكون خائفا على الناس راجيا لنفسه عاذرا لنفسه محتجا لها لائم الناس ذاما لهم فهذه من أخلاق المنافقين ، ثم إن للراجى حالا من مقامه وللحال علامة من رجائه ، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرجو دوام المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التحبب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمنه منه ، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلا منه من حيث كرمه لا من حيث الواجب عليه ولا الاستحقاق منا فإنه أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية لا من حيث اللزوم بل من حيث الظن به . ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض