شرح
ونفل ، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه ومعبوده ورازقه من حيث كرمه وفضله لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولؤمه . وقد كان سهل يقول : من سأل اللّه شيئا فنظر إلى نفسه وأعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى اللّه وحده وإلى لطفه وكرمه ويكون موقنا بالإجابة ولا يقبل اللّه عملا ولا دعاء إلا من موقن الإجابة مخلص ، فإذا شهد التوحيد ونظر إلى الوحدانية له فقد فتح له بابا من العبادة . ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء ، فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والتجلي لمعاني الصفات مما عرفوه وهذا من علمهم به ، وأصحاب اليمين في الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد ، ومن الرجاء انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها ، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعود ومنه قوله تعالى« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ »ومن الرجاء كثرة التلاوة لكلام اللّه تعالى ، وإقام الصلاة التي هي خدمة المعبود ، وبذل المال سرا وعلانية ، وأن لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا كما وصف المحققين من الراجين إذ يقول اللّه تعالى« إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ »ومن الرجاء القنوت في ساعات الليل وهو طول القيام للتهجد والدعاء عند تجافى الجنوب عن المضاجع لما وقر في الصدور والقلوب من المخاوف ؛ وكذلك وصف اللّه تعالي الراجين بهذا في قوله« أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء ، وحصل من دليل الكلام أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما ، وهذا مما حذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه ، فالرجاء هو أول مقام من اليقين عند المقربين ، وهو ظاهر أوصاف الصديقين ولا يكمل في قلب عبد ولا يتحقق به صاحبه حتى تجتمع فيه هذه الأوصاف : الايمان باللّه والمهاجرة إليه والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل اللّه ثم السجود آناء الليل والقيام والحذر مع ذلك كله ، فهذه جمل أوصاف الراجين وهو أول أحوال الموقنين ، ثم تتزايد الأعمال في ذلك ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ، ومكاشفات الغيوب بالأوصاف المرجوة ، وفصل الخطاب أن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين ، فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم ، والرجاء طريق العاملين إلى مقام العمل ، وقد وصف اللّه الراجين مع الأعمال الصالحة لقوة رجائهم بالخوف تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة به ، فقال تعالى مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهم« إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا »وقال تعالى« يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً »من قبل أن الخوف مرتبط بالرجاء فمن تحقق بالرجاء صارعه الخوف أن يقطع به دون مارجا .
وقال أهل العربية في قوله تعالى« قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ »أي الذين لا يخافون عقوبات اللّه تعالى ، فإذا كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا يرجو فكيف يكون عفوه وفضله على من رجوه ، وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى« وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ »أي تخافون