سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 248
وسبقها غضبه ، وأنّه الرّحمن الرّحيم ، الغنىّ الكريم ، الرّءوف بعباده المؤمنين وقال العارف البونى : رحمة اللّه تعالى الذاتية واحدة ورحمته المتعدية منعددة ، وهي كما في هذا الخبر مائة ، ففي الأرض منها واحدة يقع بها الارتباط بين الأنواع وبها يكون حسن الطباع والميل بين الجن والإنس والبهائم كل شكل إلى شكله ، والتسعة والتسعين حظ الإنسان يوم القيامة تتصل بهذه الرحمة فتكمل مائة فيصعد بها في صرح الجنة حتى يرى ذات الرحيم ويشاهد رحمته الذاتية [ ذكر سبق الرحمة غضبه تعالى ] ( و ) ذكر ( سبقها ) أي الرحمة ( غضبه ) تعالى كما روى « إنه إذا كان يوم القيامة أخرج اللّه تعالى كتابا من تحت العرش فيه : إن رحمتي سبقت غضبى وأنا أرحم الراحمين فيخرج من النار مثلا أهل الجنة » قال العراقي متفق عليه . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « يشفع اللّه تعالى آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف » رواه الطبراني . وقال صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه عز وجل يقول يوم القيامة للمؤمنين هل أحببتم لقائي ؟ فيقولون نعم يا ربنا فيقول ؟ لم فيقول رجونا عفوك ومغفرتك فيقول قد أوجبت لكم مغفرتى » رواه أحمد والطبراني ويروى أن اللّه عز وجل قال لموسى عليه السّلام « يا موسى استغاث بك قارون فلم تغثه وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته وعفوت عنه » وقال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم « ينادى مناد تحت العرس يوم القيامة يا أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات فتواهبوها بينكم وادخلوا الجنة برحمتي » . ويروى أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ قوله تعالى « وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها » فقال الأعرابي : واللّه ما أنقذكم منها وهو يريد أن يوقعكم فيها ، فقال ابن عباس : خذوها من غير فقيه ؛ وذلك لأن الأعراب الغالب على طبعهم عدم الإدراك للطائف المعاني ( و ) ذكر ( أنه ) تعالى ( الرحمن الرحيم الغنى الكريم الرؤوف ) من الرأفة : شدة الرحمة ( بعباده المؤمنين ) روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال : لما نزلت هذه الآية « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » تطاول إبليس اللعين وقال أنا شئ من الأشياء يكون لي نصيب من رحمته وتطاولت اليهود والنصارى ، فلما نزل قوله تعالى « فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ » يئس إبليس من رحمته ، وقالت اليهود والنصارى نحن نتقي الشرك ونؤتى الزكاة ونؤمن بآياته . ثم نزل قوله تعالى « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ » فيئس اليهود والنصارى وبقيت الرحمة للمؤمنين خاصة . فالواجب على كل مؤمن أن يحمد اللّه تعالى على ما أكرمه به من الإيمان وجعل اسمه من جملة المؤمنين ويسأل ربه أن يتجاوز عن ذنوبه كما روى عن يحيي بن معاذ الرازي أنه كان يقول : إلهي قد أنزلت إلينا رحمة واحدة وأكرمتنا بذلك الرحمة وهي الإسلام ، فإذا أنزلت علينا مائة رحمة فكيف لا نرجو مغفرتك ، وذكر عنه أنه قال : إلهي إن كان ثوابك للمطيعين ورحمتك للمذنبين ، فإني وإن كنت لست مطيعا لا أرجو ثوابك فأنا من المذنبين فأرجو رحمتك ، وذكر عنه أنه قال : إلهي خلقت الجنة وجعلتها وليمة