سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 247
وهذا الرّجاء فرض إذا لم يكن للعبد سبيل إلى الامتناع عن اليأس إلّا به ، وإلّا فهو نفل بعد اعتقاد الجملة في فضل اللّه وسعة رحمته . ومقدّمات الرّجاء أربع : الأولى ذكر سوابق فضله إليك من غير قدم أو شفيع * والثّانية ذكر ما وعد اللّه من جزيل ثوابه وعظيم كرامته على حسب فضله وكرمه ، وأنّ استحقاقك إيّاه بالفعل ، إذ لو كان على حسب الفعل لكان أقلّ شئ وأصغر أمر . والثّالثة ذكر كثرة نعمة اللّه عليك في أمر دينك ودنياك في الحال من أنواع الإمداد والألطاف ، من غير استحقاق أو سؤال . والرّابعة ذكر سعة رحمة اللّه تعالى فرأيته ليلة في المنام فقلت ما فعل اللّه تعالى بك قال غفر لي إلا أنه وبخنى ثم قال لي يا يحيى خلطت علي في دار الدنيا فقلت : أي رب اتكلت على حديث حدثنيه أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إنك قلت إني لأستحى أن أعذب ذا شيبة في النار » فقال قد عفوت عنك يا يحيى وصدق نبيي إلا أنك خلطت على في دار الدنيا ، [ الرجاء فرض إذا لم يكن للعبد سبيل إلى الامتناع عن اليأس إلا به وإلا فهو نفل ذكر سعة رحمة اللّه تعالى ] ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( وهذا الرجاء فرض إذا لم يكن للعبد سبيل إلى الامتناع عن اليأس إلا به ) أي الرجاء ( وإلا ) أي وإن كان للعبد سبيل إلى الامتناع عن اليأس ( فهو نفل بعد اعتقاد الجملة في فضل اللّه وسعة رحمته . ومقدمات الرجاء أربع : الأولى ذكر سوابق فضله ) تعالى ( إليك من غير قدم ) أي من غير عمل منك قبل ( أو شفيع ) أي من غير شفيع لك ( والثانية ذكر ما وعد اللّه من جزيل ) أي عظيم ( ثوابه وعظيم كرامته على حسب فضله وكرمه دون استحقاقك إياه ) أي الثواب الجزيل ( بالفعل إذ لو كان ) هذا الثواب ( على حسب الفعل لكان أقل شئ وأصغر أمر . والثالثة ذكر كثرة نعمة اللّه عليك في أمر دينك ودنياك في الحال من أنواع الإمداد ) والتوفيق ( و ) أنواع ( الألطاف من غير استحقاق أو سؤال . والرابعة ذكر سعة رحمة اللّه تعالى ) فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن للّه تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والطير والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » رواه مسلم . قال النوربشتي : رحمة اللّه تعالى غير متناهية فلا يعتورها التقسيم والتجزئة ؛ وإنما قصد من ذكره ضرب المثل للأمة ليعرفوا التفاوت بين القسطين : قسط أهل الإيمان منها في الآخرة ، وقسط كافة المربوبين في الأولى ، فجعل مقدار حظ الفئتين من الرحمة في الدارين على الأقسام المذكورة تنبيها على المستعجم وتوقيفا على المستفهم ولم يرد به تحديد ما قد جل عن الحد أو تعديد ما تجاوز العد . وقال المهلب : الرحمة رحمتان : رحمة من صفة الذات وهي لا تتعدد ، ورحمة من صفة الفعل وهي هذه .