وأمّا الرّجاء : فهو ابتهاج القلب بمعرفة فضل اللّه سبحانه واسترواحه إلى سعة رحمة اللّه تعالى ، وهذا من جملة الخواطر غير مقدور للعبد ، ورجاء هو مقدور للعبد ، وهو تذكّر فضل اللّه وسعة رحمته ، وقد سمّى أيضا إرادة المخاطرة بالاستثناء رجاء ، والمراد من هذا الباب
شرح
وإخلاء قلبه من الخوف وانفراده بحال الرجاء يخرجه إلى الأمن والاغترار . وكان يقول : الخوف ذكر المحبة والمحبة أنثي . ألا ترى أن أكثر الناس يدعون المحبة يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى وهو كما قال لأن الخوف حال العلماء والرجاء وصف العمال ففضله عليه كفضل العلم على العمل . وكان الحسن يقول : ما عبد اللّه بشئ أفضل من طول الحزن والخوف . وقال بعض السلف :
حسبك من الخوف اجتناب المعاصي . وكان الثوري يقول : ما أحب أنى عرفت الأمر حق معرفته إذن لطاش عقلي ، ومما يدلك على أن الخوف اسم لحقيقة العلم باللّه تعالى أن في إحدى القراءتين من قراءة أبىّ وعبد اللّه في معنى قوله تعالى« فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً »فخاف ربك وقال الفراء معناه فعلم ربك وقال الخوف من أسماء العلم . ومن معنى هذا أيضا سمي الحياء بمعنى الخشية وهي من الخوف فجعل الحياء اسم الخشية ، ومن ذلك فسر قوله تعالي« وَتَخْشَى النَّاسَ »أي تستحييهم ، ومما يدل على باطن الخوف كثرة الاستغفار في كل حال والخوف من يسير الأعمال ومن نقل عنه المخافة من حقير الأمر الذي لعله واللّه أعلم زنة ذرة من الشر أكثر من أن يحصى ، كما روى أن رجلا قال لعطاء السلمى ما هذا الخوف كله ؟ قال لعظيم فقلت وما هو ؟ قال اصطدت حماما لجارتى منذ أربعين سنة فأنا أبكي منذ ذلك أما أنى قد تصدقت بثمنه مرات . وقال ضيغم الراسبي ذنب أذنبته أنا أبكى عليه منذ أربعين سنة وذلك أنه زارني أخ لي فاشتريت سمكا بدانق فأراد أن يغسل يده فأخذت قطعة طين من حائط جارى فغسلت به يده ، وقال آخر تكلمت بكلمة أنا أبكى عليها منذ كذا ، قيل وما هي ؟ قال رأيت درهما في يد رجل فقلت هذا الدرهم جرجانى ولعله لم يضرب بجرجان . وقال بعضهم وصفت لنا امرأة من العوابد فأتينا منزلها فإذا هي قد غلقت بابها لا يدخل عليها أحد فسألنا عنها فقيل لنا هي تبكى في جوف بيت قد غلقت عليها الباب منذ ثلاثة أيام لا ندري ما شأنها قال فسألناها بعد وقت فقالت قتلت نملة ، هذا لأنه قيل إن الأبرار لا يؤذون الذر ولا يقتلون النمل . وبكى نصر بن جرير على معصية ثلاثين سنة ، هكذا نقله العلامة الزبيدي