شرح
فيقول له حماد نعم أرجوله . وكان بعض السلف يقول : لو أنى أعلم أنه يختم لي بالسعادة كان أحب إلى مما طلعت عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل اللّه . وقال بعض العارفين : إن اللّه تعالى إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يشكره عليها ولم يحسن معاملته بها لم يسلبه إياها بل أبقاها عليه ليحاسبه على قدرها ولكن يرفع منه البركة ويقطع عنه المزيد ، فمثل عيش هذا في الدنيا كمثل البخيل الغنى يعيش عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء . كذلك العالم البطال يحيا حياة الجهال ويحاسب غدا محاسبة العلماء . ومن أعلى المخاوف خوف سلب الإيمان الذي هو عنده وديعة وفي خزانة المؤمن يظهره كيف شاء ويبديه ويعيده إلى الغيب متى شاء ويخفيه ذلك من صفة المكر وحكم الماكر وكثافة الستر ولطف الساتر لا تدرى أهبة وهبه لك فيبقيه عليك بكرمه وفضله أم وديعة وعرية أودعك إياه وأعارك فيأخذه إذن لا محالة بحكمته وعدله وقد أخفى عنك حقيقة ذلك واستأثر بعاقبته . وكان يحيى يقول ينبغي أن يشغلك خوف قوت تأكله لا تدرى أحلالا هو أم حرام عن تمنى الفضول وينبغي أن يشغلك خوف ذهاب الايمان عن تمنى درجات الأبدال ؟ فإذا لم تعطها استقللت ما قد أعطيت وأنت قد أعطيت خير شئ في خزائن اللّه الايمان به ولعمري إن الخوف على فقد الايمان علامة الغبطة بوجوده . وقال بعض العارفين : إنما قطع بالقوم عند الوصول وقال آخر : واخطراه ، ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الايمان مع تبقية المعرفة المبدأة تكون مستدرجا بها ممنوعا من المزيد ، وقد لا يكون مدرجا إلا أن توقف المزيد عنه هو لعلة واقفة من الهوى فيه وقد يقسى قلبه ويجرى عنه وذلك من النقصان الذي يعرفه أهل التمام لأن عين الوجه من الملك للدنيا وعين القلب من الملكوت للآخرة فيمنعه ما ينفعه عنده ويعطيه ما يضره به ويفتتن عند الخلق كمن أعطي الصنو المأكول . وقال مجاهد : إن الرجل لتبكي عينه وقلبه أقسى من الجماد . وقال مالك بن دينار : قرأت في التوراة إذا استكمل العبد النفاق ملك عينه فيبكى كما شاء .