شرح
وأذكر فلا يرقون ؟ فقال كيف ينتفع بالموعظة من لم يكن في قلبه من اللّه مخافة ؟ وقد قال اللّه تعالى في تصديق ذلك «سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى . وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى» أي يتجنب التذكرة الشقي فجعل من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة ، فخوف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن ظاهر العلم بالعقل وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد ؛ فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما أمر به من الصفة المخوفة ، وقد جاء في الخبر « إن العبد إذا أدخل في قبره لم يبق شئ كان يخافه دون اللّه تعالى إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلي يوم القيامة » فأول خوف اليقين المحاسبة للنفس في كل وقت والمراقبة للرقيب في كل حين والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شئ من العلوم بغير يقين بها ومن الأعمال بغير فقه فيها ، ثم سجن اللسان وحزن الكلام أن لا يدخل في دين اللّه ولا في العلم ما لم يشرعه اللّه في كتابه أو يذكره الرسول في سنته أو لم ينطق به الأئمة من السلف في سيرهم مما لم يكن أصله موجودا في الكتاب والسنة ، وتسميته واضحة في العلم فيجتنب ذلك كله ، ولا يقف ما ليس له به علم خوفا من المسألة عنه ولا يدخل فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظم حظ دنيا يدخل فيه وأن ينصح نفسه للّه لأنها أولى الخلق ثم ينصح الخلق في اللّه ، وثمرة الخوف العلم باللّه والحياء من اللّه ، وهو أعلى مثوبات أهل المزيد . وأكثر ما يقع سوء الخاتمة بثلاثة طوائف : أهل البدع والزيغ في الدين لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول ؛ فأول آية تظهر لهم من قدرة اللّه تعالى أن يطيح عقله عند معاينتها فيذهب إيمانه ولا يثبت لشهادتها كما تحترق الفتيلة فيسقط المصباح . الطبقة الثانية أهل الكبر والانكار لآيات اللّه وكراماته لأوليائه في الحياة الدنيا لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة ويمده الايمان فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين . والطبقة الثالثة ثلاثة أصناف متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة لأن سوء الختم على مقامات أيضا كمقامات اليقين والشرك في عمر الحياة منهم المدعى المتظاهر الذي لم يزل إلى . نفسه وعمله ناظرا ؛ والفاسق والمعلن والمقر المدمن تتصل بهم المعاصي إلى آخر العمر ويدوم تقليبهم فيها إلى كشف الغطاء ، فإذا رأوا الآيات تابوا إلى اللّه بقلوبهم . وقد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأثر منهم فلا تقبل توبتهم ولا تقال عثرتهم ولا ترحم عبرتهم ، وقد كان عبد الواحد بن زيد يقول : ما صدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما ظن أنه يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا . وكان سهل يقول : خوف التعظيم من ميراث خوف السابقة . وقال زهير بن نعيم البابي : ما أكثر همى ذنوبي إنما أخاف ما هو أعظم على من الذنوب أن أسلب التوحيد وأموت على غيره ؛ وروى ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال : كان رجل يعتزل الناس إنما هو وحده فجاءه أبو الدرداء فقال أنشدك اللّه ما يحملك على أن تعتزل الناس ؟ قال إني أخشى أن يسلب ديني وأنا لا أشعر قال أترى في الحي مائة يخافون ما تخاف فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة قال فحدثت بذلك رجلا من أهل الشام ، فقال ذاك شرحبيل بن السمط هو من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وكان سفيان الثوري يلتفت إلى حماد بن سلمة فيقول يا أبا سلمة ترجو لمثلي العفو أو يغفر لمثلي ؟