سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 239
ومقدّمات الخوف أربع ، الأولى : ذكر الذّنوب الكثيرة الّتى سبقت ، وكثرة الخصوم الّذين مضوا إلى الظّالم ، وأنت مرتهن لم يتبيّن لك الخلاص بعد . والثّانية : ذكر شدّة عقوبة اللّه سبحانه ، الّتى لا طاقة لك بها . والثّالثة : ذكر ضعف نفسك عن احتمال العقوبة . والرّابعة : ذكر قدرة اللّه تعالى عليك متى شاء وكيف شاء . يحسبون أنهم يحسنون صنعا » فكم من مغبوط في أحواله انعكست عليه الحال ومنى بمقارفة قبيح الأفعال فبدل بالأنس وحشة وبالحضور رغيبة . وقيل لما ظهر على إبليس ما ظهر طفق جبريل ومكائيل عليهما السّلام يبكيان زمانا طويلا فأوحى اللّه تعالى إليهما مالكما تبكيان كل هذا البكاء ؟ فقالا يا رب لا نأمن مكرك فقال اللّه تعالى « هكذا كونا لا تأمنا مكرى » . وقال حاتم الأصم : لا تغتر بموضع صالح فلامكان أصلح من الجنة فلقى آدم عليه السلام فيها ما لقى ، ولا تغتر بكثرة العبادة فان إبليس بعد طول تعبده لقى ما لقى ، ولا تغتر بكثرة العلم فان بلعم بن باعوراء كان يحسن اسم اللّه الأعظم فانظر ما ذا لقى ، ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدرا من المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه . [ سئل الشبلي لم تصفر الشمس عند الغروب ؟ مقدمات الخوف أربع ] وسئل الشبلي لم تصفر الشمس عند الغروب ؟ فقال لأنها عزلت عن مكان التمام فاصفرت لخوف المقام وكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه لأنه يخاف المقام ، فإذا طلعت الشمس طلعت مضيئة كذلك المؤمن إذا بعث من قبره خرج ووجهه مشرق . ويحكي عن أحمد بن حنبل رحمه اللّه أنه قال : سألت ربي عز وجل أن يفتح على بابا من الخوف ففتح فخفت على عقلي فقلت يا رب أعطني على قدر ما أطيق فسكن ذلك عنى ، ثم قال المصنف رحمه اللّه ( ومقدمات الخوف أربع : الأولى ذكر الذنوب الكثيرة التي سبقت ) منك ( و ) ذكر ( كثرة الخصوم الذين مضوا إلى الظالم وأنت مرتهن ) بعملك ( لم يتبين لك الخلاص بعد ) أي إلى الآن ( والثانية ذكر شدة عقوبة اللّه سبحانه ) في الآخرة ( التي لا طاقة ) أي لا قوة ( لك بها ) أي بالعقوبة الشديدة ( والثالثة ذكر ضعف نفسك عن احتمال العقوبة . والرابعة ذكر قدرة اللّه تعالى عليك متى شاء وكيف شاء ) ولنذكر بعض ما يتعلق بمقام الخوف مما ذكره أبو طالب المكي في القوت . قال : الخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان وهو علم لوجود الإيقان ، وهو سبب اجتناب كل نهى ومفتاح كل أمر ، وليس يحرق شهوات النفوس ويزيل آثارها إلا مقام الخوف . وقد قال ذو النون المصري . لا يسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه ، وقال سهل : كمال الايمان بالعلم وكمال العلم بالخوف . وقال مرة : العلم كسب الايمان والخوف كسب المعرفة وكل مؤمن باللّه خائف لكن خوفه على قدر قربه . وشكا واعظ إلى بعض الحكماء ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم