شرح
الإيمان وقضيته . قال اللّه تعالى« وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »والخشية من شرط العلم . قال اللّه تعالى« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »والهيبة من شرط المعرفة . قال اللّه تعالى« وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ » . *قال شيخ الإسلام : لما كان العارفون مشغولين بربهم عمن سواه حذرهم من نفسه ولم يذكر شيئا من عذابه وبما قاله علم أن الخوف يطلق على الثلاثة ، وأن الخوف الثاني أخص من الأول ، ونظيره : الهبة تنقسم إلى هبة وهدية وصدقة كما هو مقرر في محله ، وهذا لا ينافي قول بعضهم الخشية حال من مقام الخوف ، والخوف اسم جامع لحقيقة التقوى ، والتقوى معنى جامع للعبادة ، وفسر بعضهم الخشية بأنها خوف مقترن بتعظيم . وبذلك فسرت قراءة «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» برفع اسم اللّه ونصب العلماء : أي إنما يعظم اللّه من عباده العلماء .
قال رحمه اللّه : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت محمد بن علي الحبرى يقول سمعت محفوظا يقول : سمعت أبا حفص يقول : الخوف سوط اللّه يقوم به الشاردين عن بابه .
وقال أبو القاسم الحكيم : الخوف على ضربين رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب إذا خاف وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب . قال رحمه اللّه ورهب وهرب تصح أن يقال هما واحد مثل جذب وجبذ فإذا هرب انجذب في مقتضى هواه كالرهبان الذين اتبعوا أهواءهم فإذا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق الشرع فهو الخشية . قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد اللّه بن محمد الرازي يقول سمعت أبا عثمان يقول سمعت أبا حفص يقول :
الخوف سراج القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : الخوف أن لا تعلل نفسك بعسى وسوف . سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول : الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان ، وقال ابن الجلاء : الخائف من تأمنه المخوفات ، وقيل : ليس الخائف الذي يبكى ويمسح عينيه إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعذب عليه ، وقيل للفضيل ما لنا لا نرى خائفا ؟ فقال لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين ، إن الخائف لا يراه إلا الخائفون وإن الثكلى هي التي تحب أن ترى الثكلى ، وقال يحيى بن معاذ :
مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لدخل الجنة . وقال شاه الكرماني : علامة الخوف الحزن الدائم . وقال أبو القاسم الحكيم : من خاف من شئ هرب منه ومن خاف من اللّه عز وجل هرب إليه ، وسئلى ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى متى يتيسر علي العبد سبيل الخوف ؟ فقال إذا أنزل نفسه منزلة السقيم يحتمى من كل شئ مخافة طول السقام ، وقال معاذ بن جبل : إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته حتى يخلف جسر جهنم وراءه ، وقال بشر الحافي : الخوف ملك لا يسكن إلا في قلب متق . وقال أبو عثمان الحيري : عيب الخائف في خوفه السكون إلى خوفه لأنه أمر خفى . وقال الواسطي : الخوف حجاب بين اللّه تعالى وبين العبد ، وهذا اللفظ فيه إشكال ، ومعناه أن الخائف متطلع لوقت ثان وأبناء الوقت لا تطلع لهم في المستقبل وحسنات الأبرار سيآت المقربين . سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن علي النهاودى يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت النوري يقول : الخائف يهرب من ربه إلى ربه . وقال بعضهم :