تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
ومنهم من حبّب إليهم الصّوم فلا يؤثرون عليه شيئا ، ومنهم من حبّب إليهم الصدّقة فلا يؤثرون عليها شيئا ، يا يونس وأنا مفسّر لك هذه الخصال ، فاجعل طول صلاتك الصّبر على البأساء والتّسليم لأمر اللّه عزّ وجلّ ، واجعل صومك الصّمت عن كلّ سوء ،
شرح
إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم وهيأ لهم ألوان الضيافات لينال العبد من كل فعل وقول شيئا من عطاياه ؛ فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة وهي عرس الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقي عليهم دنس . وقال أبو طالب المكي رحمه اللّه : حدثت أن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرض خوفا منه لأنه تأهب للدخول على الملك فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه ، وواجهه الجبار بوجهه الكريم ، فإذا قال اللّه أكبر اطلع الملك على قلبه ، فإذا كان ليس في قلبه أكبر من اللّه فيقول الملك صدقت اللّه أكبر في قلبك كما تقول ، قال فيشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش فيكشف له بذلك النور ملكوت السماوات والأرض ويكتب له حشو ذلك النور حسنات . قال وإن الغافل الجاهل إذا قام إلى الوضوء احتوشته الشياطين كما يحتوش الذباب نقطة العسل فإذا كبر اطلع الملك على قلبه فإذا كان كل شئ في قلبه أكبر من اللّه عنده فيقول الملك كذبت ليس اللّه أكبر في قلبك كما تقول . قال فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه عن الملكوت .

[ من حبب إليه من الناس الصوم والصدقة ]

قال : فيرد ذلك الحجاب صلاته وتلتقم الشياطين قلبه ، فلا تزال تنفخ فيه وتنفث وتوسوس إليه وتزين له حتى ينصرف من صلاته لا يعقل ما كان فيه ( ومنهم ) أي الناس ( من حبب إليهم الصوم فلا يؤثرون عليه ) أي الصوم ( شيئا ، ومنهم من حبب إليهم الصدقة فلا يؤثرون عليها ) أي الصدقة ( شيئا ، يا يونس وأنا مفسر ) أي مبين ( لك هذه الخصال ) المذكورة من الصلاة والصدقة والصوم ( فاجعل طول صلاتك الصبر على البأساء ) أي الشدة ( و ) اجعل ذلك ( التسليم ) والتفويض ( لأمر اللّه عز وجل واجعل صومك الصمت ) أي السكوت ( عن كل سوء ) ومن هنا قال وهب بن منبه : أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت : أي عن السوء . قال العلامة ابن حجر حتى عن المباح لأنه ربما أدى إلى محرم أو مكروه ؛ وعلى فرض أن لا يؤدى إليهما ففيه ضياع الوقت فيما لا يعنى . وفي الحديث « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . وقال الفضيل بن عياض : لا حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان . وقال لقمان لابنه : لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب . قال ابن المبارك : معناه لو كان الكلام بطاعة اللّه تعالى من فضة كان السكوت عن معصية اللّه تعالى من ذهب وهو صريح في أن الكف عن المعصية أفضل من عمل الطاعة وأن الصمت أفضل من الكلام . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه : الصمت سلامة وهو الأصل ، والسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في وقته من
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 21 | السيد احمد بن زيني دحلان